تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

((وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) .. إنه حق الله .. في المال الذي أعطاك .. المال أمانة من أين اكتسبتها؟ .. وفيما أنفقتها؟ .. إنه حق .. أي فرض عليك صدقة وزكاة .. ورغم أن الزكاة لم تفرض وقتها .. وإنما فرضت فيما بعد في المدينة وما نحن بصدده نزل بمكة إلا أن المعنى يتجه إلى عموم حق الله في المال من حيث البذل والعطاء للأقربين .. ولغير الأقربين .. وأبرز هنا السائل لأن له حقا في المال .. وأبرز كذلك المحروم وهو المحتاج الذي يتعفف عن السؤال .. وجب أن نغنيه عن مذلة السؤال وأن نكفي حاجته دون أن يسأل .. ودون أن يذل .. فالمؤمن عزيز كريم ومن واجب أصحاب الأموال قليلها وكثيرها أن يعتبروا العطاء عبادة مالية مستمرة .. وفي كل اتجاه ..

((وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20).)) .. الآية هي العلامة .. هي الدليل على وجود الله الواحد لا شريك له .. اليَقِينُ: العِلْم وإزاحة الشك وتحقيقُ الأَمر، وقد أَيْقَن َيُوقِنُ إيقاناً، فهو مُوقِنٌ، ويَقِنَ يَيْقَن يَقَناً، فهو يَقنٌ. واليَقِين: نَقيض الشك، والعلم نقيضُ الجهل، تقول عَلِمْتُه يَقيناً ..

((وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21).)) .. إن في الإنسان ذاته من الأدلة المادية ما يغني عن كل دليل على وجود الخالق جل وعلا .. فالإنسان مخلوق من نطفة من ماء حقير تخرج من مخرج البول مرتين .. فإذا هي إنسان سوي يتمتع بالعقل والجسم والصحة .. وفيه من الإعجاز ومن قدرة الخالق العزيز الحميد ما يجعل الإنسان كل إنسان في كل زمان ومكان ينتهي حتما إلى التوحيد والإيمان واتباع الإسلام الذي يكفل له التوازن النفسي والفكري والجسدي والسعادة في الدارين .. ((سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53).)) - فصلت ..

((وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) .. )) .. أي المطر .. سماه هنا رزقا .. لأن الماء سبب الوجود ونعمة كبرى أنعمها الله على الناس .. وذكر من قبلها الإستغفار والبذل والعطاء .. حتى يأتي خير الله .. ورزق الله لا يأتي إلا بالإستغفار والبذل والعطاء .. وفي السماء أيضا ما توعدون من خير أو شر .. أو قدر .. وكذلك أمر الساعة .. والقيامة التي لاشك فيها إطلاقا ..

((فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ (23).)) .. لا يداخلنك شك في أمر الله .. وفي قدره خيره وشره .. وفي وجود الله لا شريك له .. وفي يوم القيامة وفي الجنة والنار .. ومن ثم عليك الإستعداد والعودة والأوبة والتوبة وحسن الإستعداد للرحيل في كل وقت .. هذا ه والمفهوم الصحيح للإعتقاد وللإستعداد وللعمل للدنيا والآخرة .. وهو نفس النهج الذي سار عليه أهل الإيمان والتقوى والصلاح في كل مكان وزمان قديما وحديثا .. مثل إبراهيم عليه السلام .. ماذا كان من أمر إبراهيم؟ ..

((هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) .. )) .. أكرمهم إبراهيم .. الذي كان مثالا يحتذى في إكرام الضيف .. كانوا من الملائكة دخلوا عليه .. وقبل أن يسألهم حاجتهم .. قام بواجبهم معهم في إكرامهم ..

((إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ (25) .. كانت التحية هي السلام عليكم .. وهي تحية الإسلام .. وهي تحية أهل الإيمان والإسلام في كل مكان وزمان إلى قيام الساعة .. يعلمنا الله خالقنا ورازقنا كل شيء حتى التنحية .. التحية كانت بين الملائكة وإبراهيم هي السلام عليكم .. هي تحية الإسلام المباركة وهي تحية أهل الأرض وأهل السلام .. وهي تحية الدنيا وهي تحية العباد وتحية الملائكة .. وتحية أهل الأَرض وأهل السماء .. وتحية أهل الجنة .. ((فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ)) .. ((دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10) .. )) .. – يونس .. ولكن إبراهيم قال في نفسه شيئا آخر: ((قَوْمٌ مُنكَرُونَ)) .. لم يعرفهم من قبل .. جاءوه في هيئة شبان حسان الوجوه .. قالها في نفسه .. لم يبدها لهم .. وفي ذلك أدب أي أدب مع الضيف ..

((فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27).)) .. وراغ إلى كذا أَي مالَ إليه سِرّاً وحادَ. أَرَغْتُ الصَيْدَ، وماذا تُرِيغُ أَي ما تريد وتطلب .. وراغَ فلان أَي مال إِليه سرّاً؛ ومنه قوله تعالى: فراغَ إلى أَهْلِه فجاء بِعِجْل سَمِين .. ولكن الملائكة الذين كانوا في شكل بشر لم يأكلوا ما قدمه إبراهيم من لحم .. وصاحب البيت إذا رفض الضيف تناول طعامه .. فمعنى ذلك انه يضمر في نفسه شرا .. لأن الطعام .. عهد وأمان بين الطرفين .. من هنا نفهم سر الخوف الذي انتاب إبراهيم عليه السلام:

تفسير العدل والإعتدال · الصفحة ١٣٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير العدل والإعتدالص ١٣٨٠