تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (37) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)./.)). ((فَيُحْفِكُمْ)): بمعنى ألح وألحف .. جاء في لسان العرب:

الضَّغِينُ والضَّغِينة لغتين بمعنى. وقد ضَغِنَ عليه، بالكسر، ضِغْناً وضَغَناً واضْطَغَنَ. وقال الله عزَّ وجل: إِن يسأَلْكُموها فيُحْفِكم؛ أَي يَجْهَدْكم ويُخْرِجْ أَضْغانكم؛ قال الفراء: أَي يخرج ذلك البخلُ عَداوتَكم

ويكون ويُخْرِجِ الله أَضْغانَكم؛ وأَحْفيتُ الرجلَ: أَجْهَدْته. واضْطَغَنَ فلانٌ على فلان ضَغِينةً إذا اضْطَمَوها. أَبو زيد: ضَغِنَ الرجلُ يَضْغَنُ ضَغَناً وضِغْناً إذا وَغِرَ صَدْرُه ودَوِيَ.

وصف الله سبحانه وتعالى الحياة الدنيا باللعب واللعب تهوينا من قيمتها .. باعتبار الحياة الآخرة هي الدائمة وهي الباقية حقا .. حتى لا يغتر أحد بمفاتن الدنيا , وحتى يبذل فيها قصارى الجهد في العبادة والطاعة لله ورسوله استباقا لأجر الله سبحانه وتعالى .. لم يطلب الله من الناس سوى الإيمان بالله الواحد الذي لا شريك له والتصديق بما جاء به محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ومخافة الله وطاعته وطاعة رسوله .. مخافة الله والعمل بطاعته هي التي تكفل للناس الخير في الدارين .. وليس المظاهر المالية أو المادية أو المعنوية .. ومن المعروف ابتداء أن الإنسان متعلق بالمال يحسب انه ماله سيضمن له الخلود بينما هو يتعلق بالسراب والقفر اليباب والوهم ليس إلا .. لأنه جاء إلى هذه الحياة ولاشيء معه ويغادرها ولا شيء معه .. كما جاء يخرج .. كما جاء صائحا من بطن أمه يغادرها صائحا .. عذاب أولها وعذاب آخرها .. فماذا يتوقع من دنيا أولها بكاء وآخرها بكاء؟ .. فكيف يتعلق بالفاني والسراب ويؤثره على الله الكريم العليم الذي أعد له ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من صنوف النعيم الذي انقطاع له؟ .. كيف يغالط الإنسان نفسه ولصالح من يغالط؟ .. ولماذا يستمر سادرا في غيه غير آبه بالدروس من أمامه؟ .. والموت يحصد الناس من حوله .. انه الرحيل .. الرحيل .. والموت .. الموت .. والامتحان .. الامتحان .. فطوبي للفائزين فيه بقصب السبق في مرضاة الله سبحانه وتعالى ..

إن قصب السبق لا يأتي عبثا .. والقاعدة في الفوز به هي البذل والعطاء في كل المجالات وخصوصا في الإنفاق .. الإنفاق الفكري الأدبي والعلمي وبذل الجهد في كل مجال يفيد المجتمع الإسلامي بلا استثناء .. إن مجتمعا لا ينفق من الطاقات التي أودعها الله فيه لا يستحق أن نطلق عليه مجتمعا إسلاميا .. إن المجتمع الإسلامي متكاتف متضامن يبذل ويعطي ويخرج الزكاة ويعطي للغير .. ويعيش للغير أكثر مما يعيش لذاته ..

إن قمة الإنفاق تكون في سبيل الله وبكل الوسائل التي تعلي راية الله سبحانه وتعالى وكي تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا ونافقوا هي السفلى في كل مجال .. إن البذل في سبيل الله يشمل كل ميدان اجتماعي واقتصادي ثقافي وعلمي وأدبي وفكري .. في كل مجال ينهض بالمجتمع الإسلامي .. ويقويه وينميه ويجعله متماسكا وآمنا ومرهوب الجانب من الأعداء .. إن سبيل الله تشمل كل شيء بدءا من الذات .. فإحسانك لنفسك بالإيمان التوحيد وإقامة فرائض الله هو في سبيل الله وإحسانك لزوجتك وأطفالك وقيامك على واجباتك نحو العائلة وصلة الرحم هو في سبيل الله .. وإحسانك لجارك وعدم الإساءة إليه بأي شيء ولو بالضجيج والصخب هو في سبيل الله .. وإحسانك لليتيم فهو في سبيل الله .. وكتابتك لكتاب علمي أو فكري يفيد الناس هو سبيل الله .. وبذلك العلم كي يكون في متناول المجتمع الإسلامي هو في سبيل الله .. وسعيك لتطوير وسائل الإنتاج الفلاحي داخل المجتمع الإسلامي هو في سبيل الله وتحقيق الأمن الغذائي والاقتصادي هو في سبيل الله .. ومحافظتك على أسرار بلادك هو في سبيل الله وأن تكون قدوة داخل عائلتك بابتعادك عن الخمرة والتدخين والقمار .. والسباب والكفر هو في سبيل الله .. وصبرك على الأذى هو في سبيل الله .. باختصار يشمل الإنفاق في سبيل الله كل شيء يجعل المؤمن قويا في ذاته وعائلته ومجتمعه ويكون المؤمن قدوة والعائلة قدوة والمجتمع قدوة مخافة لله واستقامة وبذلا وعطاء في كل شيء حلال يعود بالنفع على الجميع ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى وطاعة له ولرسوله محمد صلى الله عليه وسلم .. بهذا المنظور ننظر إلى البذل والعطاء والإنفاق على جميع المستويات الخاصة منها والعامة .. لأن غاية

تفسير العدل والإعتدال · الصفحة ١٣٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير العدل والإعتدالص ١٣٥٦