بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين}. فأول من يكسى إبراهيم، ثم يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال، فأقول: أصحابي، فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح عيسى بن مريم: ﴿وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد. إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾). قال محمد بن يوسف: ذكر عن أبي عبد الله، عن قبيصة قال: هم المرتدون الذين ارتدوا على عهد أبي بكر، فقاتلهم أبي بكر رضي الله عنه ..
نعتقد أن السياق يتحدث عن عموم الردة في كل زمان ومكان .. لأن القرآن لم يكن خاصا بأناس معينين ولا بأمكنة معينة .. انه جاء بالحل الرباني الأمثل لمشاكل المجتمع الإسلامي وما قد يعتمل داخله من تناقضات وانحرافات يتصدى لها كل مؤمن بالرجوع إلى كتاب الله عز وجل وسنة محمد عبده صلى الله عليه وسلم .. إن القرآن الكريم لم ينزله الله سبحانه وتعالى ليعطينا الحل للمجتمع الإسلامي الأول فقط .. مع انه ذاك المجتمع كان الدرس وكان القدوة وكان التطبيق العملي الأول الذي نقيس عليه ونمضي حقبا في تطبيق شرع الله .. وفي النظر والحكم على الأمور دون مواربة ..
من هذا المنطلق نرى أن كل من ارتد عن دينه وعهده تنطبق عليه الآيات السالفة البيان .. وأن من يفهم القرآن الكريم ويتبع الحق المبين ثم يتراجع عن اتباع الحق .. إنما انساق في ما دبره له الشيطان الرجيم من أحابيل سقط فيها بمحض إرادته وجاراها وانقاد لها .. وكان لها تبعا .. ورفض بالتالي اتباع الحق .. وسماع كلمة التقوى .. إن الشيطان سواء كان من إنس أو جن .. يزين للإنسان بالقول والفعل ووسائل الإغراء والإغواء ويبعده عن دين الله ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في السياق ((الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ)) .. والشيطان كل عات متمرد من إنس أو جن أو دابة .. شطنه خافه الرأي .. سَوَّلَتْ له نفسه كذا: زَيَّنَتْه له. وسَوَّل له الشيطانُ: أَغْواه. وأَنا سَوِيلُكَ في هذا الأَمر: عَدِيلُك. وفي حديث عمر، رضي الله عنه: اللَّهُمَّ إِلا أَن تُسَوِّلَ لي نفسي عند الموت شيئاً لا أَجِدُه الآن؛ التسويل: تحسين الشيء وتزيينُه وتَحْبِيبُه إِلى الإِنسان ليفعله أَو يقوله ..
أي إن الشيطان أعطاهم طول الأمل وزين ونفخ فيهم أن العمر ما زال أمامهم مديدا .. وهذا ما يقع لدى كثير من الناس الغافلين الذين يوهمون أنفسهم بالتأجيل .. وينظرون إلى القرآن مجزأ .. والى الحقائق منعزلة .. بينما القرآن كل متكامل يأخذ كله .. الدين لا يتجزأ .. ((سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْر)) .. ِ الدين جماع قيم ومفاهيم وأوامر وضوابط لا محيد عنها .. والذي يجزأ أو يقول نأخذ هذا ونترك ذاك لم يفهم الدين أو يريد بالمجتمع الإسلامي سوءا فوجب الحذر منه وإيقافه عند حده ..
إن عاقبة من يسعى إلى قلب الحقائق وإخفائها وتجزئة الدين وتبعيضه والقفز على أحكامه إنما يوقع نفسه في الهلاك دنيا وآخرة .. ((فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ... )) .. لا غرو أنهم يتعرضون للتعذيب عند الموت .. جزاء ما قدموا من أقوال وأفعال تتنافى مع الإسلام .. ولكن الله العليم الخبير بمكنون صدورهم .. أعد لهم جزاء عادلا يبدأ عند الموت مباشرة كي يجدوا ما عملوا أمامهم يتقاضون عربون فعالهم في انتظار الحساب الأكبر يوم القيامة الذي لاشك فيه إطلاقا .. كي يتأكدوا هم ومن يأتي من بعدهم إلى قيام الساعة أن الباطل لن يدوم .. وأن من اختار طريق الضلال والإضلال يجد النتيجة الحتمية التي لا مهرب منها إلا إليها .. ((ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28) ... )) ..
السُّخْطُ والسَّخَطُ: ضدّ الرِّضا مثل العُدْم ِوالعَدَمِ، والفعل منه سَخِطَ يَسْخَطُ سَخَطاً. وتَسَخَّطَ وسَخِط الشيء َسَخَطاً: كرهه. وسَخِطَ أَي غضب ..
وأي عاقل يتبع ما يغضب الله ويوقع نفسه في عذابه؟ .. أين العقل؟ .. أين الحكمة في الإختيار الواعي المسئول لمنهج الحياة الخاصة والعامة؟ .. أين الوعي أين الاتعاظ .. ((فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ)) ..
قال ابن الأَثير: وأَحْبَطه غيرُه، قال: وهو من قولهم حَبِطَت الدابةُ حَبطاً، بالتحريك، إِذا أَصابت مَرْعىً طيِّباً فأَفرطت في الأَكل حتى تنتفخ فتموت ..