تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الرحم، فأخذت بحقو الرحمن، فقال له: مه، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فذاك). قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم}.

حدثنا إبراهيم بن حمزة: حدثنا حاتم، عن معاوية قال: حدثني عمي أبو الحباب سعيد بن يسار، عن أبي هريرة بهذا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((اقرؤوا إن شئتم: فهل عسيتم))

حدثنا بشر بن محمد: أخبرنا عبد الله: أخبرنا معاوية بن أبي المزرد بهذا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (واقرؤوا إن شئتم: ((فهل عسيتم ... )) .. عسيتم بكسر السين وفتحها، قراءتان متواترتان ..

((فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ ... )) .. قال ابن سيده: عَسَيْتُ أَنْ أَفْعَل كذا وعَسِيتُ قارِبْتُ، والأُولى أَعْلى، قال سيبويه: لا يقال عَسَيْتُ الفعلَ ولا عَسَيْتُ للفعلِ، قال: اعلم أَنهم لا يَستعملون عسى فِعلُك ..

قال ابن سيده: وقيل عسى كلمة تكون للشَّك واليَقينِ؛ قال الأزهري: وقد قال ابن مقبل فجعله يَقِيناً أَنشده أَبو عبيد: ظَنِّي بهم كعَسى، وهم بِتَنُوفَةٍ، يَتَنازَعُونَ جوائزَ الأَمثالِ أَي ظَنِّي بهم يَقين ..

((اتَّفَقَ القراءُ أَجمعون على فتح السين من قوله عَسَيْتُمْ إلاَّ ما جاء عن نافِعٍ أَنه كان يقرأُ فهل عَسِيتم، بكسر السين، وكان يقرأُ عسى رَبُّكم أَنْ يُهْلِكَ عَدُوِّكمْ، فدلَّ موافقتُه القرّاء على عسى على أَنّ الصواب في قوله عَسَيْتُم فتح السين .. )) ..

((فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ ... )) .. تولى أعرض ونأى وهي في هذا المقام رفض تطبيق شرع الله .. ((فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) ... )) .. تأملوا كيف لم يذكر المولى سبحانه وتعالى مسألة أركان الإسلام في تواصل الأجيال ومدى تعلقها بالدين الحنيف .. بل ركز فقط على الفساد .. والفساد كل شيء مخالف للدين وأحكامه .. وأبرز صلة الرحم كعمود فقري للعلاقة بين الناس وخالقهم .. حتى كأنها جماع الدين ودليله الثابت إن أقامها المرء مع أركان الدين استقام له الأمر .. وإن قطعها قطعه الله .. ولعنه .. اللعن هو الطرد والإبعاد عن الرحمة .. إن الفساد وقطع الرحم يؤدي حتما بالمنظور القرآني الكامل والمتكامل مع الفكرة إلى غبن الحقيقة وهي أن الدين جاء للصلاح والفساد وللعلاقات البشرية والإنسانية وللنظافة الظاهرة والباطنة في القول والفعل والعمل والنية والكسب والإنفاق .. جاء لبعث مجتمع إسلامي متماسك ومتكامل يحب بعضه بعضا ويتواصى لا بالخير والرحمة داخل مؤسسة الأسرة وبين العائلات وبين المجتمع ككل .. إن من عصى يقود نفسه حتما إلى العمى .. والعمى عدم الإبصار وهو هنا عدم إبصار الحقيقة التي لا تمارى .. إن من لا يفكر في القرآن وغاياته النبيلة يضع نفسه في مأزق خطير في الدنيا والآخرة ..

((إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28) ... )) ..

أي إن المنافقين الذين تراجعوا عن الإمتثال لأوامر الله سبحانه وتعالى .. وقد ظهر لهم بالدليل المادي الملموس صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. الإرتداد هو الرجوع إلى الخلف .. القهقرى .. والأدبار: جمع دبر وهو الظهر ..

جاء في صحيح البخاري:

حدثنا أحمد بن صالح: حدثنا ابن وهب قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن ابن المسيَّب أنه كان يحدث، عن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يرد علي الحوض رجال من أصحابي، فيحلَّؤون عنه، فأقول: يا رب أصحابي؟ فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى).

حدثنا محمد بن يوسف: حدثنا سفيان، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (تحشرون حفاة عراة غرلا، ثم قرأ: {كما

تفسير العدل والإعتدال · الصفحة ١٣٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير العدل والإعتدالص ١٣٥٢