تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يحصدون على مر الأيام سوى الهزيمة المرة في حياتهم الخاصة والعامة وفي المعركة الفاصلة بينهم وبين أهل الإيمان .. هذه حقيقة ثابتة وأصل من أصول نواميس الكون والحياة لو يعقل العاقلون ..

وتأملوا حياة المجتمع الإسلامي في كل مكان وزمان .. إنها حياة آمنة مستقرة في أدق التفاصيل ومنتهاها خير وبركة ونصر أو شهادة .. بينما المجتمعات الكافرة السادرة في غيها والماضية في غلوائها غير واعية بذاتها .. وبحقيقة الإسلام الكافل وحده للسعادة الحق .. تأكل كما تأكل الحيوانات متجاهلة ما يحيق بها من عذاب وخسران في الدنيا والآخرة .. ((إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12) ... )) ..

الدرس واحدة .. والتاريخ يعيد نفسه بالحجة والدليل المادي الملموس .. ((وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (13) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (14) ... )) .. وكأين بمعنى كم .. جاءت بمعنى كم الخبرية .. والكاف للتشبيه .. أي كم من قرية أقوى من قريتك يا محمد عصت أمر ربها فكان أمرها وبالا عليها بما اقترفت من إثم .. أَهْلَكْنَاهُمْ: لا يكون الهلاك ولا يستعمل إلا في ميتة السوء والعياذ بالله .. فلا نقول فلان هلك كما يأتي في الصحف السيارة .. بل توفي .. أو انتقل إلى رحمة الله .. أما الهلاك فلا يكون إلا في مصرع السوء نعوذ بالله من ذلك إنه هو السميع العليم .. وبالتالي على المرء أن يأخذ العبرة وأن يستفيد من الدرس الماثل أمامه .. والقاعدة التي لا تتخلف .. وما الأحسن أن يتبع المرء الحق المبين .. القرآن الكريم منقذه من الضلال وأن يسمع لله ورسوله .. أو أن يتبع المصلحة والمادة والسراب والقفر اليباب الذي لا يوصله إلى شيء؟ .. المفروض أن يتأمل الإنسان التاريخ وأن يخرج بنتيجة مفادها أن لا دوام لحال وأن ما عند الله خير وأبقى .. فماذا أعد الله من خير للمؤمنين الحقيقيين الذين استقاموا على الطريقة .. طريق مخافته والعمل بطاعته؟ .. ((مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (15) ... )) .. ما تأخذه في هذه الدنيا من رزق لا بقاء له يفنى .. ما تتمتع به من متع مختلفة شكولا وطعوما ينتهي بسرعة وكأنك لم تأخذ ولم تتمتع به .. بل وكأنك لم تعش طوال حياتك الماضية سوى يوم أو بعض يوم .. بل كأنك لم تعش أصلا .. لأنك تعلقت بالسراب .. تعلقت بالفاني .. أما ما ستتمتع به في الآخرة فلا انتهاء ولا عيب فيه ولا انقطاع له .. وأما إذا عصيت وأنكرت الحقيقية التي لا تمارى وتجاهلت دين الفطرة فيك وغبنت حقك فإن المآل هو منتهى التعذيب الذي لا يخطر ببال .. إنه الخلود المطلق في النعيم أبدا أو العذاب أبدا .. فماذا يختار العاقل غير السلامة .. وما هي طريق السلامة؟ .. طريقها بلا ريب هي طريق السمع والطاعة لله ورسوله لا غير وليست هناك من طريق ثالثة فقد تبين الرشد من الغي .. وعلى المرء أن يختار وأن يتحمل مسئولية اختياره في الدنيا والآخرة ..

لقد لاقى رسول الله صلى الله عليه وسلم شتى صنوف العراقيل المادية منها والمعنوية وخاصة السخرية من المنافقين .. فكانوا يتجاهلون كلامه .. ويغبنونه حقه .. وفور خروجهم من عندهم يبادرون بالسؤال لأهل العلم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ (17) ... )) .. تلمس في كلامهم مدى سخريتهم واستخفافهم بمقولات رسول الله صلى الله وتجاهلهم للحق المبين حيث يبين الله سبحانه وتعالى أن كلام محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم واضح لا لبس فيه ولا التباس .. وأن كلامه يزيد المؤمنين تقوى وصلاحا واستقامة وإرشادا لهم لطريق الخير والبركة .. لأنهم زكوا نفوسهم واتبعوا الحق .. كانت المبادرة منهم .. هم أرادوا الهداية فزادهم الله هداية ووفقهم لأقوم المسالك .. أوصل إليهم النماء في العلم والتواصل في النور والمحبة والسلام ..

((فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (18) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19) ... )) ..

تفسير العدل والإعتدال · الصفحة ١٣٤٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير العدل والإعتدالص ١٣٤٩