الله جزء من الإيمان .. وليتخيل الإنسان هذا الخلق العجيب وهذا الكون الرحيب؟ .. وهذه العظمة والرحمة وهذه الأوصاف المكينة التي اتصف بها الله والمبثوثة أدلتها في الخلق المتنوع؟ .. وليتأكد أنه ما زال مقصرا أي الإنسان في تقدير الله حق القدر؟:
(( ... ((وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) ... )) ..
وما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِه؛ أَي ما عظموا الله حق تعظيمه، وقال الليث: ما وَصَفوه حق صِفَتِه، والقَدَرُ والقَدْرُ ههنا بمعنى واحد، وقَدَرُ الله وقَدْرُه بمعنًى، وهو في الأَصل مصدر. وقدْرُ كل شيء ومِقْدارُه: مِقْياسُه. وقَدَرَ الشيءَ بالشيء يَقْدُرُه قَدْراً وقَدَّرَه: قاسَه. وقادَرْتُ الرجل مُقادَرَةً إِذا قايسته وفعلت مثل فعله. التهذيب: والتقدير على وجوه من المعاني: أَحدها التروية والتفكير في تسوية أَمر وتهيئته، والثاني تقديره بعلامات يقطعه عليها، والثالث أَن تَنْوِيَ أَمراً بِعَقْدِك تقول: قَدَّرْتُ أَمر كذا وكذا أَي نويتُه وعَقَدْتُ عليه. ويقال: قَدَرْتُ لأَمْرِ كذا أَقْدِرُ له وأَقْدُر ُقَدْراً إِذا نظرت فيه ودَبَّرْتَه وقايسته ..
يتوه الإنسان في تقدير الله حق حقره .. ولكن الدلائل التي تشير إلى عظمته سبحانه تجعل الإنسان أكثر خوفا من الله وأكثر طاعة واكثر التزاما بتعاليم الدين بكل حب وعدل واعتدال .. ذاك أن لكل شيء بداية ونهاية وكما أن للإنسان بداية ونهاية بولادة وحياة وموت .. فإن لكل خلق بداية نهاية يحملها في ذاته وفي تكوينه قدر الله ذلك بالحق وللحق كي يؤكد مدى عظمته ومدى قوته وإرادته التي لا راد لها .. حتى يستعد الجميع ليوم لا مهرب منه إلا إليه .. إنه يوم البعث والجزاء .. وهذا اليوم قادم لا شك فيه .. إن نفخ الصور حقيقة ثابتة بالقرآن والسنة .. ((وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) .. )) ..
وجاء في صحيح البخاري:
حدثني الحسن: حدثنا إسماعيل بن خليل: أخبرنا عبد الرحيم، عن زكرياء ابن أبي زائدة، عن عامر، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(إني أول من يرفع رأسه بعد النفخة الآخرة، فإذا أنا بموسى متعلق بالعرش، فلا أدري أكذلك كان، أم بعد النفخة).
حدثنا عمر بن حفص: حدثنا أبي قال: حدثنا الأعمش قال: سمعت أبا صالح قال: سمعت أبا هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ((بين النفختين أربعون). قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يوما؟ قال: أبيت، قال: أربعون سنة؟ قال: أبيت، قال: أربعون شهرا؟ قال: أبيت. (ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه، فيه يركب الخلق)) ..
((وَأَشْرَقَتْ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70) ... )) .. أشار هنا إلى أن النور ليس نور الشمس فالكون انتهى دوره وقتها .. وإنما نور الله سبحانه وتعالى .. حيث يؤتى يومها باللوح المحفوظ وبصحف أعمال الخلق للحساب والجزاء .. وحيث تشهد الملائكة بأعمال الخلق .. والميزان يومها الحق .. وحيث يكون الله وكما كان ويكون دوما هو العليم بما فعل الخلق .. وعلم الشيء علما: أدركه بحقيقته وكنهه .. ولا مجال للإنكار .. ولا للتهرب .. فلا مهرب ولا فوت .. يومها الناس فريقان وفي شكل زمر .. والزمرة هي الجماعة .. فحتى يوم القيامة لن يترك المؤمن وحده .. البقية من المؤمنين يشاركونه أفراحه .. وكذا الكافر وبقية من شاكله في كفره يشاركونه أحزانه .. ولكل نصيبه لا ينقص منه ..
((وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) ... )) .. المثوى هو المسكن .. وتكبر كان ذا عظمة وتجبر .. والكبرياء غمط الحق وغبن الحقيقة .. وأي غبن أكبر من غبن الإيمان