والمصلحة يضحكون ويستبشرون بصاحب النفوذ والمال .. ويتبركون باسمه .. ويتقربون إليه بالمودة والجهد والطاعة .. بينما إذا حان حين الجد وجاء ذكر الله العزيز الحميد رأيتهم يصدون عنك صدودا عجيبا متناقضا ورهيبا؟ .. ((وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45) ... )) .. وهذه المفارقة لن تجدها في نفس مؤمنة .. بل تجدها في أهل الكفر والنفاق .. من الذين يتاجرون في الأعراض والكرامات .. ولا يرحمون ضعيفا ولا يؤدون حق الله .. أما المؤمنون الحقيقيون فإنهم يربئون بأنفسهم أن يقعوا هذا الموقع الدنيء .. أو أن ينزلقوا إلى هذا المنزلق الخطير في تعاملهم مع الله .. المؤمن يحب الله .. ويحب ذكر الله .. ويحب ما يؤدي إلى ذكر الله دون أو قيد أو شرط ..
جاء في صحيح البخاري:
حدثنا قتيبة بن سعيد: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا هلمُّوا إلى حاجتكم. قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم، وهو أعلم منهم، ما يقول عبادي؟ قال: تقول: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك، قال: فيقول: وكيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيداً وأكثر لك تسبيحاً، قال: يقول: فما يسألونني؟ قال: يسألونك الجنة، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً، وأشد لها طلباً، وأعظم فيها رغبة، قال: فمم يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فراراً، وأشد لها مخافة، قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم. قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة. قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم).
المؤمن الحقيقي يبلغ الدعوة الإسلامية في كل مكان وزمان بالكلمة الطيبة والقدوة الحسنة وبكل عدل واعتدال وبلا تطرف ولا مغالاة ثم يترك الباقي على الله العزيز الحميد .. الله هو الذي يعلم ما في لأنفس ويجازي عن الدواخل .. وهو الذي ينظر إلى قلوبنا لا إلى صورنا وأشكالنا .. ((قُلْ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46) .. )) .. وفَطَرَ الله الخلق يَفْطُرُهم: خلقهم وبدأَهم. والفِطْرةُ: الابتداء والاختراع. وفي التنزيل العزيز: الحمد لله فاطِرِ السمواتِ والأَرضِ؛ قال ابن عباس، رضي الله عنهما: ما كنت أَدري ما فاطِرُ السموات والأَرض حتى أَتاني أَعرابيّان يختصمان في بئر فقال أَحدهما: أَنا فَطَرْتُها أَي أَنا ابتدأْت حَفْرها. والفِطْرةُ: ما فَطَرَ الله عليه الخلقَ من المعرفة به. وقد فَطَرهُ
يَفْطُرُه، بالضم، فَطْراً أَي خلقه. وقيل فُطِرَ كلُّ إنسان على معرفته بأَن الله ربُّ كلِّ شيء وخالقه ..
فأين المهرب وأين المفر من يوم القيامة الذي لا شك فيه إطلاقا؟ .. والموت حق والساعة حق والجنة حق والنار حق؟ .. ((وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون (48) ... )) .. الحُوقُ والحَوْقُ: لغتان، وهو ما استدارَ بالكَمَرة مِن حُروفها وحاقَه حَوْقاً: دلَكَه. وحاق البيت يَحُوقه حَوقاً: كنَسَه. وفي حديث أَبي بكر حين بَعث الجندَ إِلى الشام: كان في وصيته: ستجدون أَقواماً مُحَوّقةً رؤوسُهُم؛ أَراد أَنهم حَلَقوا وسط رؤوسهم فشبه إِزالة الشعر منه الكَنْس قال ويجوز أَن يكون من الحُوق وهو الإِطار المُحيد بالشيء المُسْتَدِير حَوله .. وتلك عاقبة السخرية من الحق المبين ومن كلام الله .. والإعراض عنه وعدم تطبيقه على الذات والعائلة والمجتمع .. ولكن الغريب أن هؤلاء الراتعين في الجهالة والمعرضين عن القرآن الكريم وأحكامه النورانية السامقة إذا أصابتهم مصيبة نسوا ما كانوا يتسابقون إليه بالمودة والتقرب عوض الله العزيز الجبار .. وأقبلوا على الله وحده ساعة العسرة وتركوا ما خولهم وراء ظهورهم وقت الشدة والأزمة .. وقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت .. ((فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (49)