قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (50) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (51) ... )) .. غريب أمر الإنسان السادر في غيه .. الماضي في غلوائه في كل حال من أحواله المتناقضة المتهالكة .. فسرعان ما ينقلب على عقبيه خسر الدنيا والآخرة وقد حسب انه فاز بالغنيمة .. يزعم لنفسه علما وقوة وتمكينا .. يتباهى بنعمة الله وينسب الرزق لنفسه والكرامة لنفسه والفضل لنفسه وهو أعجز من أن يمن على نفسه بنفس من هواء أو بجرعة ماء .. أو بما يسد رمقه لولا فضل المقيت العزيز الرحمان .. نفس الغلواء تصدر من المنافق أو الكافر وتصدر من أضرابه من الرعاء الذين سبقوه في التاريخ كفرا وصلفا وعلوا وتجبرا لا يغني من الحق شيئا ..
ونفس الشيء يحاط بكل كافر ومنافق وجاحد لنعمة الله الرزاق الفتاح العليم .. القاعدة لا تتخلف .. والتاريخ يعيد نفسه بأشكال أخرى .. وبأمكنة مختلفة وبشخوص مختلفين .. ولكن القاعدة في الجزاء والعقاب لا تتخلف ولا تحابي .. وافي التاريخ قديمه وحديثه عبر وعظات لو يعقل العاقلون .. وعقل الشيء فهمه وتدبره .. ((وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (51) ... )) .. وأَعْجَزَه الشيءُ: عَجَزَ عنه. والتَّعْجِيزُ: التَّثْبِيط، وكذلك إِذا نسبته إِلى العَجْز. وعَجَّزَ الرجلُ وعاجَزَ: ذهب فلم يُوصَل إِليه. وقوله تعالى في سورة سبأ: والذين سَعَوْا في آياتنا مُعاجِزِين؛ قال الزجاج: معناه ظانِّين أَنهم يُعْجِزُوننا لأَنهم ظنوا أَنهم لا يُبعثون وأَنه لا جنة ولا نار، وقيل في التفسير: مُعاجزين معاندين وهو راجع إِلى الأَوّل، وقرئت مُعَجِّزين، وتأْويلها أَنهم يُعَجِّزُون من اتبع النبي، صلى الله عليه وسلم، ويُثَبِّطُونهم عنه وعن الإِيمان بالآيات وقد أَعْجَزهم ..
إن من يتأمل الكون والحياة ومن يتأمل نفسه قبل كل شيء يتأكد من وجود الله الواحد الذي لا شريك له .. ومن تأكد من وجود الله الأحد الذي لا شريك له .. هان عليه أمر الدنيا والآخرة .. ومن هان عليه أمر الدنيا .. لم يقبل عليها إلا بما يسد جوعته ويستر عورته وبذلا وإنفاقا في سبيل الله وفي سبيل أن تكون كلمة الله هي العليا في كل مجال .. وبالتالي لا يتهافت المؤمن على الدنيا .. ولا يطلبها في حرام .. ويقتنع تمام الإقناع أن رزقه مقدر .. كما أن اجله مقدر .. وان عليه اتخاذ الأسباب والعمل وتفويض الأمر إلى الله والاقتناع القناعة بما قسمه الله حتى ينعم بالأمن والأمان وبرد اليقين وحتى تحصل له حلاوة الإيمان وروعة الذكر والتقرب إلى الله زلفى .. ((أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) ... )) .. آمن به إيمانا صدقه ووثق به .. المؤمن يصدق ويثق في الله تمام الثقة والصدق والتصديق والتفويض الكامل .. ينطلق المؤمن وعيا وعملا قولا وفعلا ونية لله رب العالمين .. قد تعتور المؤمن من خلال سلوكه العملي ومن خلال حياته بعض الأخطاء .. وقد ينتاب المؤمن العجز والقصور .. فالطريق قد تكون غير سالكة .. وقد يخطئ المؤمن وكل إنسان يخطئ .. وخير الخطائين التوابون .. من هنا كان الله دوما ينبه إلى أن المهم في الأمر حسن الإيمان وحسن التوحيد وحسن العمل وحسن التوكل وحسن التفويض لله الغفور الرحيم .. المهم أن تكون ثقتك في الله كاملة وأن تنهض من بعد الكبوة وأن تنوي عدم الوقوع في الخطأ .. وأن تقلع عنه بالتوبة والحوبة والإستغفار والعمل الصالح .. ((قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) ... )) ..
قال العلماء هذه أرجى آية في القرآن الكريم .. فتحت باب التوبة والرحمة للجميع .. فرصة العمر لكل تائب .. بغفران كل ذنب مهما كان .. وأنى كان .. المهم أن تحسن الظن بربك .. وأن تعبده لا تشرك به شيئا وهو المطلع على قلبك ونيتك ولاستقامتك .. وهو الذي يعدك مغفرة ورحمة وسترا إن استقمت على الطريقة لا ترضى بغير الله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا وبالقرآن منهجا ودستورا .. محبة في الله .. وشوقا اليه .. وتطلعا إلى مرضاته يوم القيامة الذي لا شك فيه إطلاقا ..
************