((وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28) ... )) ..
اتقاه: خافه وحذره .. التقوى مخافة الله والعمل بطاعته ..
المؤمن واضح في عبادته وواضح في طاعته .. إنه لا يعبد الشياطين ولا يعبد الهوى .. إنه يعبد الله الواحد الذي لا شريك له .. ((ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (29) .. )) .. الشَّكُسُ والشَّكِسُ والشَّرِسُ، جميعاً: السَّيِّءُ الخلق، وقيل: هو السيِّءُ الخلق في المبايعة وغيرها. وقال الفراء: رجل شَكِسٌ وإِنه لَشكِسٌ لَكِسٌ
أَي عَسِرٌ. وتَشاكَسَ الرجلان: تَضادَّا أَي متضايقون مُتَّضادُّون، وتفسير هذا المثل أَنه ضرب لمن وَحَّد اللَّه تعالى ولمن جعل معه شركاء، فالذي وَحَّدَ اللَّه تعالى مَثَلُه مَثَلُ السالم لرجل لا يَشْرَكُه فيه غيره؛ يقال: سَلِمَ فلانٌ لفلان أَي خَلَصَ له، ومَثَلُ الذي عَبَدَ مع اللَّه سبحانه غيره مَثَلُ صاحب الشركاء
المتشاكسين، والشركاء المُتَشاكِسُون: العَسِرُونَ المختلفون الذين لا يتفقون، وأَراد بالشركاء الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون اللَّه تعالى. وفي حديث عليّ، كرم اللَّه وجهه، فقال: أَنتم شركاء مُتَشاكسون؛ أَي مختلفون متنازعون ..
وبالتالي يطمئن قلب المؤمن لأنه لا يعبد إلا الله الواحد الذي لا شريك له .. ويطيعه فيما أمر ونهى ابتغاء مرضاته يوم القيامة الذي لاشك فيه إطلاقا .. إن المؤمن الحقيقي يعتبر الحياة امتحانا لإرادته وعزيمته وإيمانه ووعيه ومدى فعله النافع للذات والعائلة وللمجتمع الإسلامي والإنساني بالعمل الصالح في كل مجال وفي ميدان حلال .. وبالتالي يتذكر دائما أبدا أنه ميت .. وأنه راحل .. يستحضر دوما أن له أجلا محدودا دوما في نقصان وليس في زيادة .. يضع دوما الموت أمامه ويخشى الله حق خشيته .. إن الموت كحقيقة ثابتة هي الحافز الكبير لاستقامة المؤمن وعبادته وطاعته وإخلاصه .. ويأخذ من ذلك عبرة محمدا رسول الله عليه والسلام حيث قل له الله عز وجل: ((إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) .. )) .. انطبق حكم الموت على الجميع حتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم كي يكون الناس سواسية في أحكامه عز وجل .. وكي تكون الحقيقة واحدة للجميع بلا استثناء .. وكي يكون الجميع أمام الله يوم الجزاء .. لا تخف ولا تخش بأسا من الظلم .. فإن الله العلي القدير الحكم العدل يأخذ لك حقك وينصفك .. المهم أن تتخذ من القرآن دافعا وحافزا ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة وأمثولة ودافعا للمضي قدما في درب الحق والعمل الصالح والبر والطاعات والبذل والعطاء بلا انتهاء حبا في الله وتطلعا إلى مرضاته ..
فكيف بعد ذلك ينكر المرء الحق ويلقيه وراء ظهره ويمضي في المعاصي .. ؟ وإلى متى يستمرئ الجاحد العصيان والموت يتربص به في كل مكان وزمان؟ .. ((فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (32).)) .. كيف يرضى المرء بالإستقرار في النار واتخاذها مقرا ومنزلا ومقاما إن كان له من عقل وفكر وتدبر وحسن اختيار؟ ..
الثَّواءُ: طولُ المُقام، ثَوَى يَثْوي ثَواءً وثَوَيْت ُبالمكان وثَوَيْته ثَواءً وثُوِيّاً مثل مَضَى يَمْضِي مَضاءً ومُضِيّاً؛ الأَخيرة عن سيبويه، وأَثْوَيْت به: أَطلت الإقامة به. وأَثْوَيْته أَنا وثَوَّيْته؛ الأَخيرة عن كراع: أَلزمته الثَّواء فيه. وثَوَى بالمكان: نزل فيه، وبه سمي المنزل مَثْوىً. والمَثْوى: الموضع الذي يُقام به، وجمعه المَثاوِي. ومَثْوَى الرجل: منزله. والمَثْوَى: مصدر ثَوَيْت أَثْوِي ثَواءً ومَثْوىً ..
إن المؤمن يخشى الله حق خشيته ويبادر فورا إلى لتوبة والأوبة إلى الله بالطاعة والعبادة والعمل الصالح .. ابتغاء جزاء الله الذي يعد ويفي بوعده لأنه الله هو الحليم الشكور .. ولأن وعده حق لا يتخلف أبدا ..
((وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (34) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (35) ..
اتقاه: خافه وحذره .. التقوى مخافة الله والعمل بطاعته .. كفر عنه الشيء: ستره وغطاه .. والمعنى يستر عيوبهم في الدنيا والآخرة .. و يعطيهم في الآخرة أحسن الجزاء في الجنة حبا فيهم لأنهم