(( ... اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23).)) .. ثَنَى الشيءَ ثَنْياً: ردَّ بعضه على بعض، وقد تَثَنَّى وانْثَنَى. وأَثْناؤُه ومَثانِيه: قُواه وطاقاته .. وثَنَّيتُ الشيء: جعلته اثنين. وجاء القوم مَثْنى مَثْنى أَي اثنين اثنين. وجاء القوم مَثْنى وثُلاثَ غير مصروفات لما تقدم في ث ل ث، وكذلك النسوة وسائر الأَنواع، المثاني من القرآن: ما ثُنِّيَ مرة بعد مرة، وقيل: فاتحة الكتاب، وهي سبع آيات، قيل لها مَثَانٍ لأَنها يُثْنى بها في كل ركعة من ركعات الصلاة وتعاد في كل
ركعة؛ قال أَبو الهيثم: سميت آيات الحمد مثاني، واحدتها مَثْناة، وهي سبع آيات؛ وقال ثعلب: لأَنها تثنى مع كل سورة .. وورد في الحديث في ذكر الفاتحة: هي السبع المثاني، وقيل: المثاني سُوَر أَوَّلها البقرة وآخرها براءة، وقيل: ما كان دون المِئِين؛ قال ابن بري: كأَن المِئِين جعلت مبادِيَ والتي تليها مَثاني، وقيل: هي القرآن كله ..
هذا القرآن يشكل خطابا للروح والجسد .. إنه يتكامل مع الإنسان في حله وترحاله .. إنه من لدن الله الخلاق العليم الذي خلق الخلق ويعلم ما يصلح لهم .. ولأنه كذلك يتجاوب معه كل مؤمن .. فيقشعر بدنه لما عرف من تكامل وتجاوب مع الحق ومع دعوة الحق .. ولأنه آمن وصدق ووثق في الله العزيز الحميد وفي رسوله صلى الله عليه وسلم وفي القرآن الكريم .. وبالتالي حصل التكامل والانسجام بينه وبين الحق وطريق الحق والسعادة ومن ثم حدثت القشعريرة لأن التناغم والتجاوب يحدث للمؤمن .. كل مؤمن عبر كل مكان وزمان بما يحويه القرآن الكريم من أنوار سنية وأحكام سامقة وطاقة يستمد منها المؤمن كل مؤمن القوة والتمكين والصلة بالله العزيز الحميد ..
إنها الهداية والإستقامة .. على نهج الهدى .. والفرق واضح بين من يؤمن ويقبل بوجهه وقلبه وعقله وكيانه على الطاعة .. خوفا من الله عز وجل .. وبين من يقبل على المعاصي إصرارا وتعنتا وكفرا وعنادا فيلقى في النار .. ((أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (24) .. )) .. جعل الظلم قرين الكفر .. وجعل العذاب ملازما للعاصي وللهارب من نور القرآن الكريم ومن حقائق القرآن ومن أحكام القرآن والإمتثال لها .. إن القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة التي لا تخلق على كثرة الرد ولا يشبع منها العلماء .. وهو الحجة البالغة والدامغة التي تأتي على كل باطل .. وتقضي على كل طاغوت .. وتقوم دليلا على وجود الله الواحد الذي لا شريك له ولا شبيه ولا نظير الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحدا .. وإن القرآن لما يأتي على أخبار من سبق من الأمم التي أهلكها الله عز وجل إنما يقدمها حجة لمن استكبر وأدبر يسعى لا يرضى بالقرآن منهجا ودستورا .. إن الأمم السابقة لم تهلك إلا بسبب الكفر والعناد والإصرار على الخلاف والاختلاف .. ((كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ (25) فَأَذَاقَهُمْ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (26) ... )) .. إن الحقيقة واحدة والتاريخ يعيد نفسه بإطار مكاني وزماني مختلفين وشخوص مختلفين .. لا يستفيدون عادة من الدروس ولا يأخذون العبر والعظات من الأحداث الجسام .. إن التصديق بالله الواحد وعبادة الله الواحد من المبادئ الرئيسة لكل الأديان .. والدين واحد من البداية إلى قيام الساعة .. من آدم عليه السلام إلى محمد عليه الصلاة والسلام الدعوة واحدة .. اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا .. ولما يقع التكذيب .. لما يقع الإصرار على الخطإ و والسخرية والعصيان فإن العذاب المخبوء .. والمقدر بالأجل المحدد .. في الأزل يحيق ولا يترك للكافر مجالا ولا للمكذب فرصة الهرب .. يأتني العذاب الدنيوي من حيث لا يحتسب الكافر أو الجاحد أو المكذب أو الساخر من آيات الله .. فيأتي عليه جملة وتفصيلا .. القاعدة لا تتأخر .. ولا تحابي ولا تجامل عبر كل مكان وكل زمان إلى قيام الساعة التي لاشك فيها إطلاقا .. أما عذاب الآخرة فهو ضرب آخر ونوع آخر .. وضروب أخرى وشكول أخرى لا تخطر على بال ..
إن المؤمن الحقيقي لا يمر على القرآن مرور الكرام تلاوة وسماعا .. بل يستفيد منه ومن أحكامه ومن عظاته .. وبالتالي عليه القيام بعملية نقد ذاتية مستمرة حتى تكون حياته مستقيمة على نهج الله القويم .. إن طريق القرآن هو الطريق الأمثل والأوفق والأروع للفرد والعائلة وللمجتمع كي يكونوا في سبيل الله وفي مرضاة الله متى طبقوه وعيا وحبا بكل عدل واعتدال ودون مغالاة ..