وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾). قال روح: فرده خاسئا ..
((فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36).)) .. رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ: الليث: الرُّخاءُ من الرِّياح الليِّنة السريعة لا تُزَعْزِعُ شيئاً. الجوهري: والرُّخاءُ، بالضم، الريحُ الليِّنَة. وفي التنزيل العزيز: تَجري بأَمرِه رُخاءً حيثُ أَصابَ؛ أَي حيث قَصَد، وقال الأَخفش: أَي جعلناها رُخاءً ..
((وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37).)) .. والشَّيْطانُ: فَيْعال من شَطَنَ إذا بَعُدَ فيمن جعل النون أَصلاً، وقولهم الشياطين دليل على ذلك. والشيطان: معروف، وكل عات متمرد من الجن والإِنس والدواب شيطان .. ((وَغَوَّاصٍ)): الغَوْصُ: النُّزولُ تحت الماء، وقيل: الغَوْصُ الدخولُ في الماء، غاصَ في الماء غَوْصاً، فهو غائصٌ وغَوّاصٌ، والجمع غاصَة وغَوّاصُون. قال الليث: والغَوْصُ موضع يُخْرَج منه اللؤلؤ. والغَوّاصُ: الذي يَغُوصُ في البحر على اللؤلؤ ..
((وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ (38).)) .. والصَّفد: الوَثاقُ، والاسم الصَّفادُ. والصِّفادُ: حَبْلٌ يُوثَقُ به أَو غُلٌّ، وهو الصَّفْد والصَّفَدُ، والجمع الأَصْفادُ؛ قال ابن سيده: لا نعلمه كُسِّر على غير ذلك، قصروه على بناء أَدنى العدد. وفي التنزيل العزيز: وآخَرين مُقَرَّنِين في الأَصْفاد، قيل: هي الأَغلال، وقيل: القيود، واحدها صفد: صَفَدْتُه بالحديد وفي الحديد وصَفَّدْتُه، مخفف ومثقل؛ وقيل: الصَّفَد القيد، وجمعها أَصفاد. قال الجوهري: الصِّفادُ ما يُوثَقُ به الأَسير من قِدٍّوقَيْدٍ وغُلٍّ. وروي عن النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، أَنه قال: إِذا دخل شهر رمضان صُفِّدَت الشياطين؛ صُفِّدَت يعني شُدَّت وأُوثِقَت بالأَغْلال. يقال منه: صَفَدْت الرجل، فهو مَصْفود ..
((هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39).)) .. قال العلماء أوتي سليمان قوة كبرى في الجماع .. وكانت له مئات النساء .. ((هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ)): ومُنِيتُ بكذا وكذا: ابْتُلِيت به. ومَناه اللهُ بحُبها يَمنِيه ويَمْنُوه أَي ابْتلاه بحُبِّها مَنْياً ومَنْواً. ويقال: مُنِيَ ببَلِيَّة أَي ابْتُلي بها كأَنما قُدِّرت له وقُدِّر لها. الجوهري: منَوْتُه ومَنَيْته إِذا ابتليته، ومُنِينا له وُفِّقْنا .. وفي التنزيل العزيز: مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى؛ وقرئ بالتاء على النطفة وبالياء على المَنيِّ، يقال: مَنَى الرَّجلُ وأَمْنى من المَنِيِّ بمعنًى، واسْتَمْنَى أَي اسْتَدْعَى خروج
المنيّ. ومَنَى اللهُ الشيء: قَدَّرَه، وبه سميت مِنًى، ومِنًى بمكة، يصرف ولا يصرف، سميت بذلك لما يُمْنَى فيها من الدماء أَي يُراق .. ولذلك قال العلماء إن المقصود ((َامْنُنْ)): أي جامع من شئت من نسائك الكثيرات واترك من شئت منهن فإنك غير مؤاخذ ..
((وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (40).)) .. لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ: الزَّلَفُ والزُّلْفةُ والزُّلْفَى: القُربةُ والدَّرَجة والمَنزلةُ. وفي التنزيل العزيز: وما أَموالُكم ولا أَولادُكم بالتي تُقَرِّبكم عندنا زُلْفَى .. ((وَحُسْنَ مَآبٍ)): وفي التنزيل العزيز: وإِنّ له عندنا لَزُلْفَى وحُسْنَ مآب أَي حُسْنَ المَرجِعِ الذي يَصِيرُ إِليه في الآخرة. قال شمر: كُلُّ شيء رجَعَ إِلى مَكانِه فقد آبَ يَؤُوبُ إِياباً إِذا رَجَع.
((وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41).)) .. قال الليث: النَّصْبُ نَصْبُ الدَّاءِ؛ يقال: أَصابه نَصْبٌ من الدَّاءِ. والنَّصْبُ والنُّصْبُ والنُّصُبُ: الداءُ والبَلاءُ والشرُّ. وفي
التنزيل العزيز: مَسَّني الشيطانُ بنُصْبٍ وعَذابٍ. والنَّصِبُ: المريضُ الوَجِعُ ..
وجاء في: ((مجمع الزوائد)):
عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
إن نبي الله أيوب كان في بلائه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلان من إخوانه، كانا يغدوان إليه ويروحان إليه، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله قد أذنب ذنباً ما أذنبه أحد. قال صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف الله عنه. فلما راحا إليه، لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، قال أيوب: ما أدري ما تقول، إلا أن الله يعلم [أني] كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما، كراهية أن يذكر الله إلا في حق. قال: وكان يخرج إلى حاجته، فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأ عليها، وأوحي إلى أيوب في مكانه أن ﴿أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب﴾ فاستبطأته فتلقيتْه ينتظروا، وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من