((إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (34).)) .. والرِّجْس: العذاب كالرِّجز. التهذيب: وأَما الرِّجْزُ فالعذاب والعمل الذي يؤدي إِلى العذاب. والرِّجْسُ في القرآن: العذاب كالرِّجْز. وجاء في دعاء الوتر: وأَنْزِلْ عليهم رِجْسَك وعذابك؛ قال أَبو منصور: الرجس ههنا بمعنى الرجز، وهو العذاب، قلبت الزاي سيناً، كما قيل الأَسد والأَزد. وقال الفراء في قوله تعالى: ويَجْعَلُ الرِّجْسَ على الذين لا يعقلون؛ إِنه العقاب والغضب، وهو مضارع لقوله الرجز، قال: ولعلها لغتان .. بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ: الفِسْق: العصيان والترك لأَمر الله عز وجل والخروج عن طريق الحق فسق يفسق (بكسر السين) ويَفْسُقُ فِسْقاً وفُسوقاً وفَسُقَ؛ الضم عن اللحياني، أَي فَجَر، قال: رواه عنه الأَحمر، قال: ولم يعرف الكسائي الضم، وقيل: الفُسوق الخروج عن الدين، وكذلك الميل إلى المعصية كما فَسَقَ إبليسُ عن أَمر ربه. وفَسَق عن أمر ربه أَي جار ومال عن طاعته ..
((وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35).)) .. الآية هي العلامة .. وهي آثارهم ومنازلهم الخربة .. أبان الشيء: اتضح فهو مبين .. دليلا على معاصيهم .. وعلى مآلهم .. وعلى مآل كل منحرف إلى قيام الساعة .. وعلى وجود الله الواحد لا شريك له .. والذي أعد عذابا مستمرا لكل من مارس الحرام في الجنس بالمرض المستمر يصيبه ولا فكاك منه أوجاعا وتمزقا وضياعا إلا بالموت الزؤام .. الذي يسلمه إلى قدره المحتوم خسرانا في الدنيا والآخرة .. ((آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)): عقل الشيء: فهمه وتدبره .. من هنا نفهم سر مقولة العلماء بأن الرجز أي العذاب باق إلى نهاية الدنيا يتربص بكل مخالف ويصيب كل عات متمرد عن أمر الله العزيز المنتقم دون أن يشعر في شكل أوبئة وأمراض مستمرة وأوجاع لا قبل للإنسان بها .. كلما خالف أمر الله .. وهذا ما نراه اليوم بكل جلاء في أمراض ((السيدا)) وفقدان المناعة .. والأمراض الجنسية الأخرى التي عجز الإنسان بكل ما أوتي من علم وإمكانات أن يخلص منها كل من عصى الله بالانحراف الجنسي .. حتى يبقى القرآن الكريم صدقا كله .. لأنه صدر من الله العزيز الحميد .. ذي الصدق المطلق .. نزل به الروح الأمين جبريل عليه السلام المتصف بالصدق والأمانة وهو ملك الوحي .. على محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي لا ينطق عن الهوى .. كي يبقى إلى يوم القيامة دليلا لا لبس فيه ولا التباس على صدق الإسلام دين العدل والإعتدال .. والنظافة الظاهرة والباطنة والإستقامة على نهج الهدى والمحبة والتقوى والصلاح والفلاح .. حبا في الله سبحانه وحبا في محمد صلى الله عليه وآله وسلم .. وحبا في القرآن الكريم دين النظافة الجنسية الحسية منها والمعنوية .. وحبا في ملائكته وفي جنته .. وشوقا إلى الله والى لقائه يوم القيامة الذي لاشك فيه إطلاقا .. نفس الدرس يتكرر عبر المكان والزمان من آدم إلى قيام الساعة .. والتاريخ يعيد نفسه .. فإما الإيمان وإما الكفر والعصيان .. إما السعادة وإما الشقاء .. وشتان بين الطريقين .. وشتان بين النتيجتين .. ولنأخذ مثلا قصة شعيب وأهل مدين ..
((وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36).)) .. مدين اسم مدينة .. وأصلهم بنو مضر .. كان انحرافهم في الكيل والميزان .. أما انحرافهم العقدي فتمثل في عبادة الشجر .. أو الأيكة والأيكة هي الشجر الكثير الكبير الملف .. وأما فسادهم في الأرض فكانوا يقطعون الطريق وينشرون الرعب في الناس .. عَثِيَ في الأرضِ عُثِيًّا وعِثيِّاً وعِثَياًناً وعَثى يَعْثَى؛ عن كراع نادرٌ، كلُّ ذلك أَفسد. وقال كراع: عَثَى يَعْثَى مَقلوبٌ من عاث يَعيثُ، فكان
يجب على هذا يَعْثي إلاَّ أَنه نادرٌ، والوجه عَثِيَ في الأَرض يَعْثَى. وفي التنزيل: ولا تَعْثَوْا في الأرض مُفسِدين؛ العُّرَاء كلُّهم قرؤوا ولا تَعْثَوْا، بفتح الثاء، من عَثِيَ يَعْثَى عُثُوّاً وهو أَشدُّ الفساد ..
((فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (37).)) .. الرَّجَفانُ: الاضْطِرابُ الشديدُ: رجَفَ الشيءُ يرجُف رَجْفاً ورُجوفاً ورجَفاناً ورَجِيفاً وأَرْجَفَ: خَفَقَ واضْطَرَبَ اضْطِراباً شَديداً .. والرجْفةُ: الزَّلْزَلَةُ. ورجَفَتِ الأَرض تَرْجُفُ رجْفاً: اضطَربت. وقوله تعالى: فلما أَخذتهم الرَّجفةُ قال رَبِّ لو شئتَ أَهلكتهم من قبل وإيَّاي؛ أَي لو شئتَ أَمَتَّهم قبل أَن تقتلهم. ويقال: إنهم رَجَفَ بهم الجبلُ فماتوا. ورجَفَ القلبُ: اضْطَربَ من الجَزَعِ. والرّاجِفُ: الحُمّى المُحَرِّكَةُ .. فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ: جثم الإنسان والطائرُ والنَّعامةُ والخِشْف والأَرْنبُ واليَرْبوعُ يَجْثِم ويَجْثُم جَثْماً وجثُوماً، فهو جاثِم: لَزِم مكانه
فلم يَبْرَح أَي تَلَبَّد بالأَرض، وقيل: هو أَن يَقَعَ على صدره .. وجَثَم فلان بالأَرضَ يَجْثُم جُثوماً: لصِق بها