بكل قوة وعدل واعتدال نحو مرضاة الله لا تبغي عنها حولا .. كذا كان موقف إبراهيم عليه السلام عندما فاجأته الملائكة في شكل بشر ضيوفا عنده تزف إليه البشرى بالمولود الجديد .. وفي نفس الوقت تلقي إليه بخبر هلاك قوم لوط:
(( ... وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31).)) .. بشره: فرحه .. البشرى: الخبر المفرح .. ((إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ)) .. هلك .. فني .. مات .. ولا يستعمل الهلاك والإهلاك إلا في ميتة سوء والعياذ بالله .. البشرى بإسحاق .. هذا خبر سعيد .. ما أعذب هذا القرآن الكريم .. وفي حديث عبدالله: مَنْ أَحَبَّ القُرْآنَ فَليَبْشَرْ أَي فَلْيَفْرَحْ ولَيُسَرَّ؛ أَراد أَن محبة القرآن دليل على محض الإِيمان من بَشِرَ يَبْشَرُ، بالفتح، ومن رواه بالضم، فهو من بَشَرْتُ الأَديم أَبْشُرُه إِذا أَخذت باطنه بالشَّفْرَةِ، فيكون معناه فَلْيُضَمِّرْ نفسه للقرآن فإِن الاستكثار من الطعام ينسيه القرآن الكريم .. لم تأكل الملائكة من طعام إبراهيم كما في آيات أخرى .. وفي رواية أن الملك الكريم جبريل عليه السلام ضرب بجناحه العجل فعاد حيا كما كان والتحق بأمه .. فرحة عارمة في بيت إبراهيم .. ولكن ما خطبكم أيها المرسلون؟ .. ((إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ)) .. قرية لوط .. قرى سدوم الطاغية الباغية التي تمارس اللواط .. وتقطع الطريق وتصفر وتمضغ العلك .. وتضحك حتى الاستلقاء من صراع الديكة .. والكباش .. وتمارس الوشم على الجسم .. قرى سدوم .. التي خالفت السنة .. وعارضت الفطرة وتحدت لوطا .. وطمعت حتى في ضيوفه من الملائكة المقربين ..
((قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ (32).)) .. غَبَرَ الشيءُ يَغْبُر غُبوراً: مكث وذهب. وغَبَرَ الشيءُ يَغْبُر أَي بقي. والغابِرُ: الباقي. والغابِرُ: الماضي، وهو من الأَضداد .. والمعنى أن امرأة لوط كانت قد أسنت .. بسبب طول المدة في الإنذار .. ورغم أنها بلغت من العمر عتيا .. فإنها باقية في العذاب مع قومها لأنها كفرت بلوط لم تسانده .. وأفشت أسراره .. وسخرت منه .. فمع كبر سنها .. وكفرها وجحودها يكون عذابها مضاعفا بسبب الجحود والنكران .. الغُبَّر جمع غابِر، والغُبَّرات جمع غُبَّرٍ. وفي حديث عَمرو بن العاص: ما تأَبَّطَتْني الإِماءُ ولا حَمَلَتْني البغايا في غُبَّرات المآلي؛ أَراد أَنه لم تتولَّ الإِماء تربيتَه، والمآلي: خِرَقُ الحيض، أَي في بَقاياها؛ وتَغَبَّرْتُ من المرأَة ولداً. وتَزَوَّج رجل من العرب امرأَة قد أَسنَّت فقيل له في ذلك فقال: لعلِّي أَتَغبَّر منها ولداً، فولدتْ له غُبَرَ ..
((وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لاَ تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ (33).)) .. ويقال: ما لي به ذرع ولا ذراع أَي ما لي به طاقة. وفي حديث ابن عوف: قَلّدوا أَمْركم رَحْب الذِّراع أَي واسِعَ القوة والقدرة والبطش. والذرْعُ: الوُسْع والطاقة؛ ومنه الحديث: فكَبُر في ذَرْعي أَي عظُم وقْعُه وجلَّ عندي، والحديث الآخر: فكسَر ذلك من ذَرْعي أَي ثَبَّطَني عما أَردته؛ ومنه حديث إِبراهيم، عليه الصلاة والسلام: أَوحى الله إِليه أَنِ ابنِ لي بَيْتاً فضاق بذلك ذَرْعاً، وجهُ التمثيل أَن القصير الذِّراع لا ينالُ ما ينالهُ الطويل الذراع ولا يُطيق طاقتَه، فضرب مثلاً للذي سقطت قوَّته دون بلوغ الأَمر والاقتدار عليه .. والمعنى أن الملائكة لما جاءوا لوطا عليه السلام تمثلوا له في صورة غلمان شديدي الجمال .. فتنة وامتحانا لقومه الذين يحبون الغلمان .. وبالتالي انزعج منهم لوط .. وساءه الأمر .. خاصة وقد أسرع إليه قومه من المنحرفين يريدون الإعتداء الجنسي بفعل الفاحشة على ضيوفه وهم لا يعلمون أنهم ملائكة في صورة شبان في منتهى الجمال .. وعندما أحدق الخطر بلوط .. بادر الملائكة بتطمين لوط حتى يهدأ .. لأنهم أرادوا بأمر الله العزيز الجبار ألا يهلكوا قوم لوط إلا بعد إقامة الحجة عليهم .. وها قد قامت الحجة بالدليل المادي الملموس .. ولذلك قالوا للوط: ((وَقَالُوا لاَ تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ (33).)) .. حسم الأمر .. وانتهى كل شيء .. فلا مجال للمناقشة ولا للخوف .. وتلك ساعة الحقيقة التي لا تمارى مع كل فسق وفجور في كل زمان ومكان إلى قيام الساعة التي لاشك فيها إطلاقا ..