تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كَانَ قَبْلِى فَقَدْ نَظَرْتُ فِى أَعْمَارِهِمْ وَفَكَّرْتُ فِى أَخْبَارِهِمْ، وَسِرْتُ فِى آثَارِهِمْ حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ، بَلْ كَأَنِّى لِمَا قَدْ انْتَهَى (*) إِلَىَّ مِنْ أُمُورِهِمْ قَدْ عُمَّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، فعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، وَنَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ، فَاسَتَخْلَصْتُ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ نَحِيلَتَهُ، وَتَوَخَّيْتُ لَكَ جَمِيلَهُ، وَصَرفْتُ عَنْكَ مَجهُولَهُ، وَرَأَيْتُ عِنَايَتِى بكَ وَاجِبَةً عَلَىَّ، فَجَمَعْتُ لَكَ مَا إِنْ فَهِمْتَهُ أَدَّبَكَ، فَاغْتَنِمْ ذَلِكَ وَأَنْتَ مُقْبِلٌ بَيْنَ النِّيَّةِ وَالْيَقِينَ، فَعَلَيْكَ بِتَعْلِيمِ كِتَابِ الله وَتَأوِيلِهِ، وَشَرَائِعِ الإِسْلَامِ وَأَحْكَامِهِ، وَحلَالِهِ وَحَرامِهِ، لَا تُجَاوِزْ ذَلِكَ قَبْلَهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ أَشْفَقْتَ أَنْ تَلْبَسَكً شُبْهَةٌ لمَا اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ مِنْ أَهْوَائِهِمْ وَرَأيِهِمْ مِثْلَ الَّذِى لبسهم فتقصد فِى تَعْلِيمِ ذَلِكَ بِلُطْفٍ يَا بُنَىَّ، وَقدِّمْ عِنَايَتَكَ فِى الأَمْرِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ نَظَرًا لِدِينِكَ لَا مُمَارِيًا وَلَا مُفَاخِرًا، وَلَا طَلبًا لعَرَضِ عَاجِلَتِكَ، فَإِنَّ الله يُوَفِّقُكَ لِرُشْدِكَ، وَيَهْدِيكَ لِقَصْدِكَ، فأَقْبَلْ عَهْدِى إِلَيْكَ، وَوَصِيَّتِى لَكَ، وَاعْلَمْ يَا بُنَىَّ أَنَّ أَحَبَّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِهِ مِنْ وَصِيَّتِى تَقْوَى الله وَالاقْتَصَارُ عَلَى مَا افْتَرَضَ الله عَلَيْكَ، والأَخْذُ بِمَا مَضَى عَلَيْكَ أَوْ لَكَ مِنْ آبَائِكَ، وَالصَّالِحين مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَدَعُوا أَنْ يَنْظُرُوا لأَنْفُسِهِمْ عَمَّا أَنْتَ نَاظِرٌ، وَفَكَّرُوا كَمَا أَنْتَ مُفَكِّرٌ، ثُمَّ رَدَّهُمْ ذَلِكَ إِلَى الأَخْذِ بِما عَرَفُوا، وَالإِمْسَاكِ عَمَّا لَمْ يُكَلَّفُوا، فَإِنْ أَبَتْ نَفْسُكَ أَنْ تَقْبَلَ ذَلِكَ دُونَ أَنْ تَعْلَمَ مَا عَمِلُوا، فَيَكُونُ طَلَبُكَ ذَلِكَ بِتَعْلِيمٍ وَتَفَهُمٍ وَتَدَبُّرٍ، لَا بِتَوَارُدِ الشَّبُهَاتِ وَعِلْم الْخُصُومَاتِ، وَابْدَأ بِعَمَلِ نَظَرِكَ فِى ذَلِكَ بِالاسْتِعَانَةِ بِإِلَهِكَ عَلَيْهِ، وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ، وَاحْذَرْ كُلَّ شَائِبَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَيْكَ شُبْهَةً، وَأَسْلَمَتْكَ إِلَى ضَلَالَةٍ، فإِذَا أيْقَنْتَ أَنْ قَدْ صَفَا قَلْبُكَ فَخَشَعَ، وَتَمَّ رَأيُكَ فَاجْتَمَعَ، كَانَ هَمُّكَ فِى ذَلِكَ هَمّا وَاحِدًا، فَانْظُرْ فِيمَا فَسَّرْتُ لَكَ، وَإِنْ أَنْتَ لَمْ يَجْتَمِعْ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْ فَرَاغِ نَظَرِكَ فَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّمَا تَخْبطُ خَبْطَ عَشْوَاءَ، وَلَيْسَ مِنْ طَالِبٍ لِدِينٍ مَنْ خَبَطَ وَلَا خَلَطَ، وَالإِمْسَاكُ عِنْدَ ذَلِكَ أَمْثَلُ، وَإِنَّ أَوَّلَ مَا أَبْدَؤُكَ بِهِ فِى ذَلِكَ وآخِرَهُ أَنِّى أَحْمَدُ الله إِلَهِى وَإِلهَكَ، إِلَهَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، رَبَّ مَنْ فِى السَّموَاتِ وَمَنْ فِى الأَرَضِينَ بِمَا هُمْ أَهْلُهُ، وَكَمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَكَمَا يُحِبُّ وَيَنْبَغِى لَهُ، وَأَسْأَلُهُ

(*) الزيادة في الكنز.

جمع الجوامع المعروف بـ «الجامع الكبير» · الجزء ١٨ · الصفحة ٢٠٢

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمع الجوامع المعروف بـ «الجامع الكبير»ج ١٨ · ص ٢٠٢