تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بُنَىَّ، مِنْ بَعْضِى، بَلْ وَجَدْتُكَ مِنْ كُلِّى حَتَّى كَأَنَّ شَيْئًا لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِى، وَكَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِى، فَعَنَانِى مِنْ أَمْرِكَ مَا عَنَانِى مِنْ نَفْسِى، فَكَتَبْتُ إِلَيْكَ كِتَابِى هَذَا، إِنْ أَنَا بَقِيتُ أَوْ فَنِيتُ، وَإِنِّى أُوصِيكَ يَا بُنَىَّ بِتَقْوَى الله وَلُزُومِ أَمْرِهِ، وَعِمَارَة قَلْبِكَ بِذِكْرِهِ، وَالاعْتِصَامِ بِحَبْلِه، فَهُوَ أَوْثَقُ السَّبَبِ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، يَا بُنَىَّ: أَحْيِى قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ وَمَوِّتْهُ بِالزُّهْدِ، وَقَوِّهِ بِالْيَقِينِ، وَذَلِّلْهُ بِذِكْرِ الْمَوْتِ، وَكسِّرْهُ بِالْفَنَاءِ، وَبَصِّرْهُ فَجَائِعَ الدُّنْيَا، وَحَذِّرْهُ صَوْلَةَ الدَّهْرِ، وَفُحْشَ تَقَلُّبِ الأيَّامِ، وَاعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْمَاضِينَ، وَذَكِّرْهُ بِمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ، وَسِرْ فِى دِيَارِهِمْ، وَاعْتَبرْ بِآثَارِهمْ، وَانْظُرْ مَا فَعَلُوا، وَعَمَّنِ انْتَقَلُوا، وَأَيْنَ حَلُّوا؛ فَإِنَّكَ تَجِدُهُم انْتَقَلُوا عَنِ الأَحِبَّةِ، وَحَلُّوَا دَارَ الْغُرْبَةِ، وَكَأَنَّكَ عَنْ قَلِيلٍ قَدْ صِرْتَ كأَحَدِهِمْ فَأَصْلِحْ مَثْوَاكِ، وَاحْرِزْ آخرَتَكَ، وَدَعِ الْقَوْلَ فيمَا لَا تَعْرِفُ، وَالدُّخُولَ فِيمَا لَا تُكَلَّفُ، وَأَمْسِكْ عَنِ السَّيْرِ إِذَا خِفْتَ ضَلَالَةً فَإِنَّ الْكَفَّ عِنْدَ حَيْرةِ الضَّلَالَةِ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ الأَهْوَالِ، وَأمُرْ بِالْمَعْرُوفِ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ، وَأَنْكِرِ الْمُنْكَرَ بِيَدِكَ وَلِسَانِكَ، وبَايِنْ مِنْ فعْلِهِ بِجُهْدِكَ، وَخُضِ الْغَمَرَاتِ إِلَى الْحَقِّ، وَتَفَقَّهْ فِى الدِّينِ، وَعَوِّدْ نَفْسَكَ الصَّبْرَ عَلَى الْمَكْرُوهِ، وَأَلْجِئْ نَفْسَكَ فِى الأُمُورِ كُلِّهَا إِلَى الله، فَإنَّكَ تُلْجِئُهَا إِلَى كهْفٍ حَرِيزٍ، وَمَانِعٍ عَزِيزٍ، وَأَخْلِصْ فِى الْمَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ، فَإِنَّ بِيَدِه الْعَطَاءَ وَاَلْحِرْمَانَ، وَأَكْثِرِ الاسْتِخَارَةَ، وَتَفَهَّمْ وَصِيَّتِى، لَا تَذْهَبَنَّ عَنْكَ صَفْحًا، أَىْ بُنَىَّ: إنِّى لَمَّا رَأَيْتُنِى قَدْ بَلَغْتُ سِنّا وَرَأَيْتُنِى ازْدَدْتُ وَهنًا بَادَرْتُ بِوَصِيَّتِى إِيَّاكَ خِصَالًا مِنْهُنَّ أَنْ يُعَجَّلَ بِى أَجَلٌ قَبْلَ أَنْ أَقْضِىَ إِلَيْكَ مَا فِى نَفْسِى، وَأَنْقُصُ فِى رَأيى كَمَا نَقَصْت فِى جسْمِى أَوْ يَسْبِقُنِى إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَةِ الْهَوَى وَفِتَنِ الدُّنْيَا، فَتَكُونُ كَالصَّعْبِ النَّفُورِ، وَإِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالأَرْضِ الْخَالِيَةِ مَا أُلْقِى فِيهَا مِنْ شَئٍ قَبِلَتْهُ، فَبَاكَرْتُكَ بالأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقُسُوَ قَلْبُكَ وَيَشْتَغِلَ لُبُّكَ، لِتَسْتَقْبِلَ بِجِدِّ رَأيِكَ مَا قَدْ كَفَاكَ (أَهْلُ التَّجَارِبِ بُغْيَتَهُ وَتَجْرِبَتَهُ) (١) فَتَكُونَ قَدْ كُفِيتَ مُؤْنَةَ الطَّلَبِ، وَعُوفِيتَ مِنْ عِلَاجِ التَّجْرِبَةِ، فَأَتَاكَ مِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ كُنَّا نَأتِيهِ، وَاسْتَبَانَ لَكَ مَا رُبَّمَا أُظلَمَ عَلَيْنَا فِيهِ، أَىْ بُنَىَّ: إِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ

(١) بياض بالأصل استكمل من نهج البلاغة.

جمع الجوامع المعروف بـ «الجامع الكبير» · الجزء ١٨ · الصفحة ٢٠١

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمع الجوامع المعروف بـ «الجامع الكبير»ج ١٨ · ص ٢٠١