فلو كان صحيحا ما يقوله بعض الرواة من لعن الامويين عليا على المنابر لذكر لنا التاريخ ردود أفعال الحسن والحسين وقيس بن سعد وغيرهم من أنصار علي وبنيه، لأنه لا يعقل أن يسكت كل هؤلاء على مثل هذه التجاوزات ، وكان من بين بنود المعاهدة الكف عن ذكر علي واصحابه بسوء وعدم ملاحقة أصحاب علي! أما حدوث شيء من ذلك القبيل أثناء المعارك فلا يستبعد ، لأن الامر كان قد وصل الى الاقتتال بالسنان فما بالك بالتراشق باللسان ، وإن كنت أستبعد ذلك لما روي عن علي أنه قال لأصحابه لا احب لكم أن تكونوا سبّابين ولكن لو ذكرتم أعمالهم لكان ذلك أبلغ ، فلم يقل أصحابه بأن أتباع معاوية يسبوننا ونحن نرد عليهم. كذلك ما ذكرته من توقير معاوية لعلي واعترافه بفضله فترة الخلاف يرد دعوى سب علي على المنابر بعد موته .
عشر سنوات يُسبُّ علي ويُلعن على المنابر والحسن والحسين وانصارهما ساكتون لا يحركون ساكنا ، لا بل أكثر من ذلك : يتقاضيان راتبا سنويا من معاوية ولا يردونه عليه ! (1)
ثم عشر سنوات اخر يلعن علي على المنابر والحسين الثائر ساكت لا يحرك ساكنا ويتقاضى راتبه السنوي من معاوية ، ثم لما يموت معاوية ويولى يزيد يثور عليه الحسين لأنه لا يراه أهلا للخلافة .
أمر آخر يكذب هذه الدعاوى هو انه بعد استشهاد الحسين خرج عبد الله بن الزبير على يزيد وأعلن نفسه حاكما على الحجاز واليمن وحكمها لمدة سبع سنين وكانت الحرب بينه وبين الامويين سجالا طوال هذه المدة فلذلك لم يكن من صالح الامويين ان يوسعوا دائرة الخلاف على أنفسهم حتى يقضوا على ثورة ابن الزبير ، هذا بالاضافة الى ثورات الخوارج المستمرة وثورة عبد الرحمن بن الاشعث التي شارك فيها كبار علماء التابعين كسعيد بن جبير ومطرف بن عبيد الله .
(1) . توفي الحسن رضى الله عنه سنة خمسين للهجرة.(اسد الغابة)