وقد دلَّ القرآن الكريم على أن الطاعة والمعصية مقرونتان بالأمر، قال تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ (1). وقال تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (2)
وقد يأتي هذا في لسان العرب، حيث قال الشاعر:
أمرتك أمراً جازماً فعصيتني ... فأصبحتَ مسلوبَ الإرادة نادما (3)
فامتثال الأمر يسمى طاعة، ولهذا يقال فلان مطاع الأمر، ومعصي الأمر فلما تبين أن المندوب طاعة عُلِمَ أنه مأمور به. (4)
القول الثاني: إن المندوب غير مأمور به على وجه الحقيقة وإنما مأموراً مجازاً.
وبه قال الحنفية وبعض المالكية، وهو قول الفخر الرازي (5) وغيره من الشافعية، وعليه بعض الحنابلة. (6)
وقال أصحاب هذا الرأي: إن الأمر لبيان أن المأمور لا بد أن يوجد من قبل المأمور فصفة الأمر هو أن يوجد المأمور به من قبل المأمور على وجه الإلزام، وهذا معنى الإيجاب والفرض. (7)
فالأمر عندهم حقيقة في القول المخصوص حال كونه للوجوب، والمندوب ليس مأموراً به لعدم الحتم والإلزام. (8)
(1) طه: من الآية 93.
(2) النحل: من الآية50.
(3) ينظر: حماسة البحتري: ص173، (ت 284هـ)، دار المعرفة، مصر.
(4) ينظر: العدة: 1/ 173؛ الإحكام للآمدي: 1/ 104.
(5) هو محمد بن حسين المعروف بالفخر الرازي، شافعي فقيه أصولي مفسر طبيب، ولد سنة (543هـ) وتوفي بهرات سنة (606هـ)، من مؤلفاته: المحصول في أصول الفقه والتفسير الكبير. معجم المؤلفين: 1/ 79؛ الفتح المبين: 2/ 47 - 49.
(6) ينظر: مسلم الثبوت: 1/ 11؛ أصول السرخسي: 1 - 14 - 15؛ التقرير والتحبير: 2/ 184؛ أحكام الفصول: 78؛ المستصفى 1/ 75 - 76؛ التمهيد في أصول الفقه: 1/ 174؛ المسودة: 6 - 8.
(7) ينظر: تقويم الأدلة: 37 - 38.
(8) ينظر: مسلم الثبوت: 1/ 111، ومعه فواتح الرحموت، نقل أبو لاخطاب الكلوذاني عن الكرخي والرازي أنه لا يكون مأموراً به في حال من الأحوال؛ ينظر: التمهيد: 1/ 174.