المبحث الثالث
خبر الواحد بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ينكره عليه
علمنا فيما سبق حكم خبر الواحد بحضرة الجمع العظيم، إذا سكتوا عن تكذيبه ولم ينكروا عليه، أما خبر الواحد بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ينكره عليه؛ فقد اختلف فيه العلماء أيضاً، فبعضهم قال: يدل على صدقه قطعاً، وبعضهم قال: يدل على صدقه ظناً. وهناك من فصل بين أن يكون الأمر المخبر به دينياً أو دنيوياً.
وأقوالهم على النحو الآتي:
القول الأول: إذا أخبر مخبر بشيء بحضرته - صلى الله عليه وسلم - ولم ينكره فإنه يدل على صدقه ظناً لا قطعاً وبه قال: كثير من الحنفية. (1) ?
واستدلوا على قولهم: بعدة احتمالات دفعوا من خلالها كون هذا النوع من الأخبار قطعياً. منها:
أ-إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسمع ذلك الخبر لانشغاله عنه بما هو أهم منه.
ب-أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفهم عبارة كلام المخبر لرداءتها مثلاً.
وهما احتمالان بعيدان لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصغي للمتكلم ولأنه أفصح من نطق بلغة الضاد، ولو لم يفهم مراد المتكلم لاستفهمه وسأل عن مراده.
ج-قالوا لاحتمال كون النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى المصلحة في تأخير الإنكار عليه أو أنه علم كذب المخبر لكون الخبر دنيوياً، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أنتم أعلم بأمر دنياكم?? (2) ? فدل هذا على أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يعلم هذا الأمر الدنيوي وغيره مثله. (3) ?
القول الثاني:
خبر الواحد بحضرته - صلى الله عليه وسلم - يدل على صدقه قطعاً إذا لم ينكره عليه بشرط أن يدعي علم النبي - صلى الله عليه وسلم - به ولا يكذبه، وبه قال: أبو إسحاق الشيرازي والسبكي (4) ?، وأبو الحسين من المعتزلة. (5) ?
(1) ? تسير التحرير: 3/ 71؛ فواتح الرحموت: 2/ 125.
(2) ? رواه مسلم: كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره من معايش رقم (2363).
(3) ? ينظر: تيسير التحرير: 3/ 71؛ الأحكام للآمدي: 2/ 280؛ شرح الكوكب: 2/ 354.
(4) ? ينظر: اللمع: ص40؛ جمع الجوامع ومع شرح المحلي: 2/ 193؛ غاية الوصول: ص97؛ الفقيه المتفقه: 1/ 96، للخطيب البغدادي، قام بتصحيحه والتعليق عليه الشيخ إسماعيل الأنصاري، المكتبة العلمية، طُبع على نسخة مصورة عن مخطوطة المكتبة الظاهرية بدمشق.
(5) ? المعتمد: 2/ 547،554.