القول الثاني: إن اللفظ العام حقيقة بعد التخصيص مطلقاً سواء خص بدليل متصل كالاستثناء أو دليل منفصل كدليل العقل أو القياس، وبه قال كثير من الحنفية وبعض المالكية (1) وكثير من الشافعية والحنابلة (2).
واستدلوا على قولهم بما يأتي:
أولاً: إن اللفظ فيما عدا المخصوص حقيقة، لأن اسم المشركين يقع حقيقة على من بقي بعد التخصيص فوجب أن تكون دلالة اللفظ قائمة بعد التخصيص. (3)
ثانياً: قالوا: إنا تقول (مسلم) فيدل على واحد، ثم نزيد الواو والنون فيدل على أمر زائد وهو (مسلمون) ولا نجعله مجازاً، ونزيد الألف والنون في (رجل) فيكون صيغة أخرى بالزيادة، ولا فرق بين زيادة كلمة أو زيادة حرف، فإذا قال: السارق للنصاب يقطع أو يقول: يقطع السارق إلا سارق دون النصاب، فلا مجاز فيه بل مجموع هذا الكلام للدلالة على ما دلت عليه، فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (4) دل على تسعمائة وخمسين وضعاً، فكأن العرب وضعت لذلك عبارتين. (5)
ثالثاً: إذا كان الخصوص بدليل متصل كالشرط والاستثناء فإن فوائد اللفظ تختلف بما يدخل عليها، ألا ترى أنك تقول: زيد في الدار فيكون خبراً، ثم تزيد في أوله ألفاً فيكون استفهاماً، ثم تجعل مكان الألف ما فيكون تقياً، فلو كان ما يتصل باللفظ يجعل الكلام مجازاً لكان ما اتصل به مجازاً أيضاً. (6)
(1) ينظر: أصول السرخسي: 144 - 146؛ كشف الأسرار: 1/ 307؛ إحكام الفصول: ص147، ونقله أبو حامد الاسفرايني عن مالك وجماعة من أصحاب أبي حنفية، البحر المحيط: 3/ 260.
(2) ينظر: المستصفى: 2/ 54؛ قواطع الأدلة: 1/ 175؛ اللمع: ص17؛ البحر المحيط: 3/ 260؛ العدة في أصول الفقة: 1/ 339 وما بعدها؛ مذكرة أصول الفقه: ص380؛ روضة الناظر: 2/ 709.
(3) العدة: 1/ 344.
(4) العنكبوت: 14.
(5) روضة الناظر: 2/ 710–711.
(6) التمهيد: 2/ 142.