تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[21] حصار نوروز في أنطاكية. فاستجار بغير جنسه، وحبس نفسه بنفسه، فضربت عليهم دائرة السوء بالحصار، وهم يرمون بالنشاب والأحجار، فشلت يدا من رماك، وأصاب الفرس فكانت فداك، فحملت عليهم حملة الضرغام، وسقيتهم كاسات الحمام، فاشتد الأمر على التركمان، واستغاثوا: " الأمان الأمان!" فأقبلوا عليه، ونهبوا ما بين يديه، وأسروا في القيود والأغلال، وكفى الله المؤمنين القتال، وطلبوا النجاة لأنفسهم بالفرار، (ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار) فملكت البلد، وما تعرضت إلى أحد، وناديت بالأمان، وقابلت الإساءة بالإحسان.

فقلت على سبيل الإنصاف، بلا خلاف: بغاة تمادوا في العباد وأفسدوا كثيرا ولم برعوا جوارا لمسلم أساءوا فلما أدركوها تسحبوا إلى حيف ألقت رحلها أم فشعم (طويل) قلت لما طغى جمع البغاة وأصبحوا متفرقين بسائر البلدان راموا النجاة وكيف تنجو عصبة مطلوبة بالشيخ والسلطان (كامل) وأما الأمراء فالبعض مشتتين في البلاد، وآخرين مقرنين في الأصفاد، وقيد المقبوض عليهم واجتمعوا معتقلين في سجن القلعة جملة، فحصل السرور بهذا القبض الداخل والاجتماع في القلعة، وأحصن ما قال من قال، في بغيهم وسوء المآل: بغوا واعتدوا ظلما وخانوا مليكهم وأمسوا على فعل القبيح وأصبحوا فما أفلحوا في سعيهم واجتهادهم ومن هذه أفعالهم كيف يفلحوا؟ (طويل) ولقد كان يوما مشهودا، ووقتا من أوقات الهناء معدودا، صلحت فيه الأمور، وانشرحت الصدور، وسرت السرائر، ودقت البشائر، وظهرت للنصر أشائر، ومما شاهدت في ذلك اليوم من البراهين، فرسان كأنهم شياهين.

[22] وفي مستهل رجب الفرد سنة إحدى شهر عشر وثمانمائة، وصل الركاب الكريم إلى دمشق المحروسة، وحللت بدرا سعادتها المأنوسة، فتضاعفت الأفراح، وتزايد السرور والانشراح، وزال الخطب والبأس، وابتهل بالدعاء لك سائر الناس، وكانت الأفراح بذلك شهود، ورأيت يوما مجموعا له الناس وكان يوم مشهود، فأقر الله بك عيون أهلها، ورجع بسعدك وسعادتك ما تشتت من شملها، ورفعت قواعد أركانها، ونشرت أردية عدلك على سكانها، ورددت عنهم كل معلة وحادثة، وحققوا ما كانوا يرجونه من ولايتك الثالثة، وقرت أعينهم بالنظر إلى وجهك الحسن، وقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، ورجع السيف إلى قرابة، وحضر الليث إلى غابة. فقلت: لما دخلت الشام يا كل المنى في الموسم المعروف بحلاوة ألبسك الله الجمال حلة وزانك بالحسن والطلاوة (كامل) فقلت: مرحبا مرحبا وأهلا وسهلا بك يا أشرف الملوك محلا أنت شيخ الملوك في كل فن فلهذا أصبحت للمدح أهلا حزت جودا وهيبة ووقارا واقتباس في الحكم عقد وحلا كل من جاء طائعا نال خيرا والذي قد عصاك فر وولا فكفى الطائعين منك أمانا وكفي بالعصاة خوفا وذلا وبشير الهنا ينادي جهارا جمع الله للمحبين شملا (خفيف) [23] نوبة صرخد مع الملك الناصر. فتوجه الملك الناصر إلى الشام، وما بلغ المرام ولا في المنام، فهداك الله صراطا سويا، ورفعك مكانا عليا، وحصنك حصنه الحصين، وجعلك من الآمنين، وملكك قلعة صرخد العالي بناها، المعتدل هواها، وخصك بالنعيم، وأعداؤك في الجحيم، فظلت عليهم الحال، فطلبوا الصلح وتركوا القتال، فبلغتهم بالصلح المراد، ولكنهم أصروا العناد، وتولى بكتمر الشام كأضغاث أحلام، وتوليت ثغر طرابلس المحروس، ليزول ما في النفوس، فأرسلت بطلب الاحتياج، فأجاب بانحراف مزاج، وأنكر الإحسان، وبدأ بالإساءة والطغيان.

[24] وقعة الشام مع بكتمر جلق وكسرتهم وعريتهم في الكسوة. فتقرب الفرسان بالأموال، وأحوجهم إلى ارتكاب الأهوال والقتال، وخرجوا بغير طريق، فوقعوا في المضيق، وما عرفوا العدو من الصديق، ولا لحق الرفيق الرفيق، ورجعوا نصل الليل، بكسرة وويل، وولوا هارين إلى الناصر، لا يلحق الأول الآخر، فملكتها بالشوكة القوية، ونصرك الله بحسن النية، وشرعت في عمل المصالح، وقصدت كل عمل صالح، فقلت: رأى ثمر الوقائع وهي تجنى بنصر الدين فاستحلى جناها وأرض الشام عمرا بعد وجاد بماله لما بناها (وافر) [25] وأما نوروز. فإنه أقام في أسر ابن رمضان، أمير التركمان، مدة أيام مذبذب، وبعد ذلك تسحب، واتصل بقلعة الروم، وما بلغ ما يروم، وهذا عاقبة من ظلم، وتقوى بما كان فيها لجكم، وما وجد أمان، فآوى إلى التركمان، فخرج إليه دمرداش، وحاصره في لاش، وكان دمرداش نائب حلب، فجد في الطلب، ولا بلغ أرب.

السيرة الشيخية · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

السيرة الشيخيةص ٩