وقعة الشام مع الناصر. فدخل الشام خفيفا من الأثقال، متنقلا من حال إلى حال، لا فارسا ولا رجال، فاستخدم المشاة والرماه، وما علم أن البين بسهمه قد رماه، وأخذ برك نائب الشام وتقوى بمال الأنام، وعاش بعده قليلا من الأيام، واستعان بالأجلاب والعوام، وحصن القلعة والأصوار، وحصر نفسه بالحصار، فأقبلت إليه، وقد ضاقت الدنيا عليه، فاشتد القتال والحصار، في الليل والنهار، وفنيت الخزائن والأموال، وغرقت الأبطال، وكثر الحريق والأهوال، وطال المطال، وتقدمت الفرسان والرجال، وتقاربت الآجال، وتغيرت الأحوال، وضاق المجال، وانقلبت من القبيات إلى القنوات، فكانت أبرك الحركات، وملكت الإصطبل ودار السعادة، فلك البشرى بالحسنى وزيادة، وملكت البلد، ولم ينازعك فيها أحد، واستمر في القلعة أياما قليله، لا حيل ولا حيله، فسلم نفسه بالتمكين، ورماها للسكين، وكم ذبح من مسكين، وبشر القاتل بالقتل ولو بعد حين، فقلت: "كل من كان حاكما جار في الحكم أو عدل، عن قريب يرونه يلتقي مل ما عمل:، ففرقت النيابات والبات، وحليت المشكلات، كشفت المعضلات، ووليت نوروز الشام، ووصيته بالرعية والعوام، وتوجهت إلى القاهرة بالعساكر والأعوام، مؤيدا مدى الأيام.
الدخول إلى القاهرة المحروسة النوبة الثالثة.
قلت: الحمد لله عنا كاشف الكرب ومانح الأمن من بعد الخوف والنصب إذ أقل القوم في جيش بكثرته يضيق عنه فجاج الأرض باللجب جاءوا لحرب به ظنوا انتصارهم خابوا وقد رجعوا بالويل والحرب كم مالك ملك الله أيده بالفضل منه وبالنصر المبين حبي أما دمرداش ولى وهو منهزم لما رأى الجد منه فاز بالهرب يا فارس الخيل يا من حاز مكرمة بالسيف والضيف والخطي والقضب لولا عناية رب العرش قد ظهرت على يديك لكان الناس في تعب والسعد وافاك والأفراح دانية على الرعية والأعداء في غضب ومن يلذ بحماك الآن منتصرا ومن عصاك فلا ينجو من العضب فقت الملوك برأي أنت صاحبه سلمت يا صاحب الآراء بالأدب دخلت للشام منصورا ومنشرحا ونلت ما ترجي سعدا بلا تعب وجئت مصرا عزيزا في ملاحظة مؤيدا مالكا في أرفع الرتب وبدلوا أهلها من بعد خوفهم بالأمن والرزق والأفراح والطرب لكنهم قد دعوا والخلق أجمعهم وخالق الخلق من يدعوه يستجب عليك نور إلهي أشعته تغنيك من كثرة الحجاب والحجب يا لائمي لو ترى في الحرب موقعه في الرأس بالسعد والأعداء في الذنب دم العدى وصليل المرهفات له أحلى وأطيب من كأس على طرب وكم له وقعة والنصر خدمه بين الفوارس فيها جاء بالعجب وهذه الفرحة الكبرى قد ختمت كل الفوارس من مصر إلى حلب (بسيط) [32] الجلوس على الكرسي الشريف. فأفلح الله بك الأمور، ودفع بسياستك عن الخلق كل محذور، وبطلت عنهم الرمايات، والحمايات، وسلكت أحسن المسالك، فاختارك الله تعالى لملكه وحكمك في سائر الممالك، ونفذ أحكامك وصرفها في الآفاق، وكتمت الحواسد ما في صدورهم من النفاق، حتى تحرك طوغان بالطغيان، وظن أنه من الفرسان، وأن يوافقه أحد من الفرسان الأعيان، وما اعتبر بمن سبقه من الأقران، فما طلع عليه النهار واختفى ليلا فمسك جهار.
فقلت وعن الصواب ما حلت: طغى طوغان طغيانا كثيرا فراح ببغيه منفى مقيد وشيخ الملك في عز ونصر وبالرحمن قد أضحى مؤيد (هزج) وفتح الله تعالى بتحصيل دمرداش وأسياده الكبير والصغير، لبئس المولى ولبئس العشير، وأحسنت إليهم غاية الإحسان، فنافقوا وارتدوا وكما تدين تدان، وهذه عاقبة النفاق، وما أحلى مصارع العشاق.
[33] وأما نوروز. فإنه أهلك البلاد والعباد وأكثر الفساد وأظهر العناد، وصادر الناس، بشدة البأس، وتعدى الحدود، وفرق بين الوالد والمولود، وظن أنه بلغ المأمول، وما علم أن كل راع عن رعيته مسؤول، فتوجه الناس إلى ربهم وتوسلوا بأشرف الخلف سيدنا محمد، وقالوا: "اللهم أغثنا بالملك المؤيد" فاستجاب الله تعالى دعاءهم، وبلغهم بنصرتك ورؤيتك مناهم، فتوجهت إليه بنية الجهاد، ومعك خواطر العباد من العباد، ورفقت بالعساكر في السير، وقصدت مقاصد الخير، فحصن المدين والقلعة والأصوار، وحصن نفسه بالحصار، وسد على نفسه المسالك والدروب، وما وجد سبيلا على عادته إلى الهروب، فجار في الحروب، ولو خرج إلى القتال، رأى الأهوال، فطال عليه المطال، وهو يحتال المحال، فأرسل الرسائل، وتوسل بالوسائل وما أنت عنه مسائل، فوقع في الحبائل، وما فاء بطائل، وتحصل وتقيد، وفتح الله تعالى بنصر الملك المؤيد، وتقيد من كان معه من الأعيان، وتفرقوا معتقلين في الحصون والبلدان، فدقت البشائر، وظهرت الدلائل والأشائر، وبانت الفائدة، وجعل الله تعالى الكلمة واحدة.