فكان كعمر إذا تكلم أسمع وإذا جادل أقنع وإذا ساد أسرع وكان كالإمام علي عفيفا عيوفا زاهدا في زخارف الدنيا وزينتها واجتمع له جل صفات السبع الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله وفي طليعتها النشأة في طاعة الله والحب في الله وإخفاء الصدقات وتعلق قلبه بالمساجد فتلك شيمة حببت إليه اختيار بيوته أقرب ما تكون من بيوت الله حيث يكون المسجد قبلته لا يفصل بينه وبين أقرب بيته سوى شارع واحد وله الآن بيتان في الرياض على هذا الوضع يشهدان بذلك أحدهما قرب شارع الخزان والآخر في حي عسير كما كان بيته الأول بالعالصمة على هذا الوضع بحي دخنة .
لقد تجلت لي هذه الصفات وتلك السجايا فيه عن كثب في الظعن وفي الإقامة معا ففي تفسير السفر يسفر عن أخالق الرجال فلقد بدأ لقائي به وصحبتي له برفقة علامة نجد الشيخ محمد بن مانع - مدير المعارف السعودية وخريج الأزهر ورائد التعليم حين ذلك حيث لم تكن وزارة إلا للخارجية والمالية - في رحلة بحرية وبرية من القاهرة إلى مكة المكرمة عام 1368 هـ للإسهام في بناء صرح كلية الشريعة نواة الجامعات السعودية الحالية وكنا نقضي سحابة اليوم والليل إلا قليلا على ظهر الباخرة نتبادل المسائل الدينية والعربية والأدبية واللسانية وكان علامة نجد راسخ القدم فيها كلها كما كان الفقيد الكريم الأمر الذي جعله محل ثقة من بيننا وعول عليه في إصلاح مناهج التعليم في دار التوحيد التي كان يشرف عليها بنفسه ويتفقدها - رغم كثرة مشاغله - مرة كل أسبوع وحذا حذو ابن مانع مفتي السعودية الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم عميد آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب فاستقدمني معه بأمر ملكي إلى الرياض لإنشاء كليتي الشريعة واللغة العربية ومعاهد أخرى في ربوع نجد للدراسة على الطريقة الأزهرية .