وكان في كل جلسة يتحدث عن كتاب أو أكثر حديثاً كأنه عارض ، وهو في الحقيقة مرتب مقصود ، وكان إذا وجد بين إجابة طالب وكتاب ما أدنى ملابسه ، بادر الطالب بقوله : جميل أنك قرأت كتاب كذا . إن أرواحه تهب من إجابتك.
فإذا ابتدأ - بعد كل هذا - يغذي ويرفد - حرص على أن يحوم حول العقيدة ، وإن كان الدرس درس نحو ، أو أدب ، أو بلاغة ، أو تعبير. حام حول العقيدة يقيمها أو يجلوها ويصقلها ، أو ينقيها مما غشيها .
ذلك لأنه كان يري أن العقيدة الملتاثة طريق الهاوية ، ونذير الخيبة والندامة هكذا. حتى إذا هيأ الطالب وأمنه ، وبرح به الهوينى يربيه ، ويعليه ويزكيه .
وكان - رحمه الله - يؤمن أن للمواقف بصماتها في تكوين الشخصية ، وأن اقتحامها يورث الشجاعة ، ويصنع الأبطال ، فكان كثيراً ما ينتخب نخبة من تلاميذه ، ويكلفهم بموضوع في المنهج يعدونه مستعينين بالمتن والحاشية ، ثم يصطفي واحداً أو أكثر ليحاضر ويناقش ، أو ليخطب العيد في حضرة عدد من عليه العلماء.
ولقد صنع - رحمة الله - بمثل هذه المؤثرات جيلاً من الدعاة لا يزالون يعكسون مما تلقوا ، ويصنعون - بدورهم - دعاة آخرين.
ولقد سعدت بالتتلمذ عليه - رحمه الله - في معاهد العلم. ومعاهد العلم تحكمها مقررات. ومناهج ، ولكن فضيلته لم يكن نمطياً في تعامله مع المقررات والمناهج ، بل كان ينتهج طريقه ثرة العطاء ، مترامية الأبعاد ، جمة السابيب ، محورة المدار . فيها يتخذ الموضوع المقرر محوراً يفتح على فنون من العلوم ندلف منها إلي الموضوع أو ندلف إليها من الموضوع.
وهى طريقة شديدة الشبه بما كان يسمي في الأزهر 0 بالتعيين - يعين للطالب في السنة النهائية جزء محدد - في كتاب أم - للنحو فيه مجال ، وللصرف مجال ، وللبلاغة مجال 00 الخ . وشديدة الشبه بما درسناه في معاهد التربية العليا تحت اسم الطريقة المحورية ، وهكذا كان يغذي تلاميذه بوجبة دسمة غنية بالعناصر.