وبعد عن الإعلام والإعلاميين بعداً لا وهوادة فيه ، وما عرفت من عبد الرزاق حياة قط غير حياته بين طلابه في الصف ، أو بين مريديه في بيته يقرأون عليه ويسألونه ، أو في صميم عمله الوظيفى لدى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم يذاكره في العلم ويستفتيه في واقع الطلبة الذين يرشحون للقضاء والمناصب القيادية وكان رحمة الله عمدة في ترشيح الخريجين وتزكيتهم.
ولما أحيل للتقاعد مرت سنين لم يراجع لاستلام استحقاقه لأنه وقلة من المشايخ خارج المملكة عن التقاعد من دون أن يكتب فتوى في ذلك ، وإنما حمل نفسه على الأشد لأن كثيرين من السلف يتورعون عن بعض المباح ، وباب الزهد واسع عند الأسلاف.
وأبي الملك فيصل رحمة الله إحالة أمثال عبد الرزاق إلي التقاعد وأوصي بأن يظل منبعاً ثراً مدى حياته.
وكان سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز أكثر تعلقاً به لما جربه من غزير علمه ورجاجة عقله وعفته وتورعه ، فلم يأذن له بالاستراحة وقد أناف على التسعين واحتنكته أمراض عديدة ، فالتزم الشيخ عبد الرزاق جانب الحسبة ما دامت قوته العقلية لم تضعف ، فكان يذهب إلي مكتبه يدف على العجل.
ومع أنه اكتفى برويتبه وبقى في فليلة بحارة شعبية لا تليق بأصغر تلامذته ، فإنه لم يدخر من هذا الرويتب شيئاً ، فقد كان يوزعه على أسر فقيرة في مصر ، وكانت له صدقات في رمضان سخية على بعض المستحقين بالمملكة ، وعندما كنت بمعهد القضاء العالى كان هناك مكافآت للطلاب المغتربين تتأخر فكان يقرضهم وكان يتنازل عن حقه لدى هذا ويأخذ بعض حقه من ذاك.
وكان العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي فرسي رهان ويظل لكل واحد منهما ميزته.
وقد جريت دروسه في التفسير والأصول والعقيدة ، وسبرت شيئاً من علمه بالعقليات في نقاش شفهي إلا أنني عندما جئت إلي معهد القضاء العالى وكان مديره وكان مدرساً فيه ، وكنت من قدماء من التحق بالمعهد وبالعكس كنت من أواخر المتخرجين منه.