تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غير أن عقله قد يقصر في كثير من شؤونه ، عن التميز بين حسن الأفعال وتقبيحها ، ونافعها وضارها ، فلا بد من معين يساعده على ما قصر عنه إدراكه ، وقدس يعجز كلياً عن العلم بما يجب عليه علمه ، لأنه ليس في محيط عقله ، ولا دائرة فكره ، مع ما في علمه من صلاحه وسعادته ، وذلك : كمعرفته الله ، واليوم الآخر والملائكة تفصيلاً ، فكان في ضرورة إلي من يهديه إلي الطريق في أصول دينه ، وقد يتردد في أمر إما لعارض هوى وشهوة ، أو لتزاحم الدواعى واختلافها ، فيحتاج إلي من ينقذه من الحيرة ، ويكشف له حجاب الضلالة بنور الهداية ، فبان بذلك حاجة الناس إلي رسول يخرجهم من الظلمات إلي النور ، ويكلمهم بمعرفة ما قصرت عنه أفهامهم ، ويوقفهم على حقيقة ما عجزوا عنه ، ويدفع عنهم الألم والحيرة ، ومضرة الشكوك.

-ضف إلي ذلك أن تفاوت العقول والمدارك ، وتباين الأفكار ، واختلاف الأغراض ، والمنازع ، ينشأ عنه تضارب الآراء وتناقض المذاهب ، وذلك يفضي إلي سفك الدماء ، ونهب الأموال ، والاعتداء على الأعراض وانتهاك الحرمات ، وبالجملة ينتهى إلي تخريب وتدمير ، لا إلي تنظيمٍ وحسن تدبير ، ولا يرتفع ذلك إلاس برسول يأتي بفصل الخطاب ، ويقيم الحجة ، ويوضح المحجة ، فاقتضت حكمة الله أن يرسل رسله رحمة بعباده ، وإقامة للعدل بنهم ، تبصيراً لما يجب عليهم من حقوق خالقهم ، وإعانة لهم على أنفسهم ، وأعذاراً إليهم ، فإنه لا أحد أحب إليه العذر من الله.

من أجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب.

ومما تقدم يعلم أن إرسال الله الرسل مما يدخل في عموم قدرته - تعالى - وتقتضيه حكمته ، فضلاً منه ، ورحمة ، والله عليم حكيم ، هذا هو القول الوسط ، والمذاهب الحق.

وقد أفرط المعتزلة فقالوا : إن بعثة الرسل واجبة على الله - تعالى - إبانة للحق ، وإقامة للعدل ، ورعاية للأصلح ، وهذا مبنى على ما ذهبوا إليه من القول التحسين والتقبيح العقليين ، وهو أصل فاسد.

سيرة حياة الشيخ عبد الرزاق عفيفي · الصفحة ٦٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سيرة حياة الشيخ عبد الرزاق عفيفيص ٦٤٠