وإننا عندما لا نجد فرقاً بين النظريتين الليبرالية والماركسية فلأننا ننظر إلى الجوهر وإن كان النظامان قد سارا في اتجاهين متعاكسين، ولكن من أجل نفس الأهداف والغايات. وإن انهيار النظام الاشتراكي قد لا يدل إلا على فشله في حربه مع الرأسمالية، وهذا بحد ذاته لا يشكل إدانة له، لأن كثيراً من الأنظمة الصالحة عبر التاريخ قد تسقط بضربات دول شريرة أقوى منها. ولكن ما يشكل إدانة لأي نظام هو موته في نفوس شعبه قبل سقوطه، وتمني هذا الموت له. فهل ستكفي الدروس التي مرت لكي تتعلم البشرية عبر الآلام والدماء، وبسبب الغرور، والانحلال الأخلاقي، وتحقير الإنسان وامتهان كرامته، بأن عليها أن توجه الاهتمام لخدمة عقل الإنسان وروحه، بدلاً من إعطاء الأولوية لجسده؟. هل ستكفي كل هذه الدروس والحروب التي شنها الطغيان والفساد في الداخل والخارج لتعليم الأنظمة والدول أن تحقير الإنسان ومسخه إلى معدة وجنس ومصالح لن ينتج غير الآلام والدمار؟. هل ستتعلم الدول التي هرمت وهي تقوم بنشر الفساد والإفساد وتصديره بأنها ستتعرض لنفس المصير كأنظمة وشعوب إذا لم تُعد للإنسان مكانته واحترامه وكرامته كمبدع لفكر، وحامل لرسالة، وناطق بالكلمة التي صار بها الإنسان إنساناً، ونوراً من أنوار الحق، فصارت الكلمة جسداً وكوناً وفناً وشعراً وفلسفة وديناً وروحاً وسمواً، طار بها الإنسان وحلق، وظلت البهائم على بهيميتها رغم أنها تأكل وتمارس الجنس وتتناسل، وتبني مستودعات من الطعام كالنمل وغيره من الحشرات، فهل سنتعلم بأن علينا أن نبني دولة الإنسان بدلاً من السعي المبتذل لبناء دول النمل البشرية. هل سنكرم العقل والروح بدلاً من الجسد الذي جعلته كل الحضارات المنحطة هدفها الوحيد.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٥٨٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٥٨٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي