تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالدول الشيوعية لم تعد مقنعة حتى لأعضاء حزبها، ولهذا لم يبق من أعضاء الحزب الذين كانوا يعدون بالملايين بعد سقوط المعسكر الاشتراكي إلا قلة ضئيلة. وهذه القلة شعرت بأن قيادتها لم تحسن استخدام سلطته لإنجاز المشروع الاشتراكي، لأنها لم تدرك أن السوس الذي نخر أركان الحزب والدولة هو شعار "الأنا" الذي تسلل إلى النفوس ودمر كل شيء. وهذا إن دلّ على شيء، فإنه يدل إلى أنه خلافاً للحيوانات التي تجتمع لاصطياد حيوان آخر حين تجوع، فإن البشر هم بحاجة إلى علاقات أكثر سمواً من نظريات تجعل هدفها إشباع المعدة، وحرية العورة، لأن مثل هذا الاجتماع الذي بني على أسس عملية ومصلحية سينهار بعد تحقيقه، أو عند العجز عن تحقيقه. وإذا كانت لغة المصالح يمكن أن تجمع بين الشعوب، فإنها لا يمكن أن تكون سبباً وحيداً لمثل هذا الاجتماع إلا في مجتمع لا يفكر ولا يسأل ولا يعقل. إنه اجتماع وإن نجح لبعض الوقت إلا أنه لا يمكن أن يناسب الإنسان بما له من طموحات وأحلام وعواطف، "فالأنا" لوحدها تقتل وتدمر وتمزق، بينما الحب يجمع وينتج قلوباً دافئة ورحيمة ومتعاونة، والحب لا يمكن أن ينشأ إلا بتفعيل كل الحاجات الإنسانية، المصلحة، والحرية، والاحترام المتبادل، والتعاون، والحوار مع الآخر بدلاً من احتقاره وقمعه واعتباره كياناً لا قيمة له، فابتذال الإنسان واحتقاره والاستهانة بكرامته لن يساعد على بناء المواطن الصالح الذي يثيره عدوان الآخر عليه وإن كان معادياً، فمن يهن يسهل الهوان عليه. ولذلك فإن الطبيب يحاول أن يعيد الحساسية للمريض الذي فقدها لكي يشعر بالحشرة التي تهاجمه، أو البعوضة التي تمتص دمه، ليمنعها. فالشعور بالألم نعمة لا نقمة، وحساسية الشعوب تجاه أنظمتها دليل على حيويتها، بينما إنشاء شعب من العبيد الطائعين ظاهراً، واختصار دور الأمة في شخص أو بضعة أشخاص، لن يؤدي إلا إلى موتها، والرغبة في موت من أماتها وإن كان على يد العدو.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٥٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٥٨٢