تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقامت البرجوازية تؤازرها الفلسفة النفعية الليبرالية بتوجيه آخر الضربات للدين، الذي أصبح طقوساً تؤدى في الكنائس، عندما ظن العقل أنه اكتشف طريقه الصالح للتقدم، وتبين له بسبب الأخطاء التي ارتكبها بعض رجال الدين ضد العلماء، بأن الدين، وليس من حملوا الدين هو معيق للتطور، وكان جيش الماديين قد كبر إلى الدرجة التي أصبح فيها الإلحاد شعاراً، واعتبار العمل بكل ما يخالف الوصايا الإلهية تقدماً. وعندما سقط حتى الحلم بفردوس للفقراء في عالم آخر، كان لا بد من البحث عن الفردوس الموعود في الأرض. فجاءت الماركسية لترسم من خيوط اليأس حلمها الجديد، وكان بالنسبة إليها الحديث عن دنيا بلا آخرة كسباً مفيداً وضرورياً لتحريض الفقراء على التعاون وصنع هذا الفردوس على الأرض. ولهذا انتقلت الماركسية من موقعها السياسي كفكرة لا تتعارض مع الدين من حيث الأهداف إلى الموقع المعادي للدين لكي تزج بالناس في المعركة النفعية، تماماً كالليبرالية، ولكن لمصلحة الفقراء بدلاً من الأغنياء. فالبرجوازية كما يقول أنجلس "لم تبق على صلة بين الإنسان والإنسان إلا صلة المصلحة الجافة والدفع الجاف (نقداً وعداً). وأغرقت الحمية الدينية وحماسة الفرسان ورقة البرجوازية الصغيرة في مياه الحساب الجليدية المشبعة بالأنانية، وجعلت من الكرامة الشخصية مجرد قيمة تبادل لا أقل ولا أكثر، وقضت على الحريات الجمة، المكتسبة والممنوحة، وأحلت محلها حرية التجارة وحدها، هذه الحرية التي لا تشفق ولا ترحم، فهي، بالاختصار، استعاضت عن الاستثمار المقنع بالأوهام الدينية والسياسية باستثمار مكشوف شائن مباشر فظيع...

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٥٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٥٧٥