تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن هل بقي بعض الحياء للاعتراف بالإجرام الذي ارتكب حتى الآن بسبب هذه النفعية التي مسخت إنسانية الإنسان وشوهت المستقبل، وما زالت تلقي بثقلها على كاهل البشر حين تسعى لانتزاع آخر ما بقي فيهم من المشاعر بإنسانيتهم؛ بتحويل الحب إلى جنس يمكن تناوله كما في مطاعم الوجبات السريعة، والموسيقى إلى إثارة وتحريض على الشهوات وكشف العورات، بدلاً من السمفونيات، وأحلام الروح، والشوق إلى المعرفة، والتأمل في نجوم الليل وإشراق الصباح وغروب المساء، والذوبان في نشوة الروح، وعبير الوجود الذي يطل ببهائه من خلال الإحساس العميق بتسربه في كياننا مثل نغمات الموسيقى التي تتدفق من قلوب المبدعين، الذين يتم قتلهم باحتقار إبداعاتهم، واستبدالها بالطبول التي تقرع وتدعو إلى هز الأرداف والانحلال والانحدار إلى مستوى الدعارة. وماذا نقول عن الشعر المدعو إلى الانحدار هو الآخر بإنتاج الكلمة المناسبة لكل هذا الصخب الوضيع الذي أحدثه التطور في الموسيقى ولكن إلى الأسفل، من عالم الروح والعقل إلى عالم الجسد، فهل نحن نتقدم بفضل هذه الحضارة؟ إذا كنا نتقدم فيجب أن نسير من عالم الجسد إلى عالم العقل والروح. ولكن الذي يحدث بالواقع هو العكس. والجزر التي بقيت وما زالت تكافح ضد التيار والانحلال يتم الهجوم عليها بشتى الأساليب والطرق لإجبارها على رفع راية الاستسلام والخضوع، لأن الحرية لا تعني للأقوياء النفعيين غير العناية بالجسد وعبادة الغرائز.

وهل تبالي الحيوانات المفترسة بغناء بلبل أو زقزقة عصفور. ألا تتغذى الأفاعي ببيض هذه الطيور الجميلة وبأجسادها دون أن تحس بأي رعشة من إقدامها على التهام كل هذا الجمال؟. يجب أن نقول بنفس المستوى عما يحدث في الغابة الرأسمالية بأنه طبيعي. لأن فلسفة النفعية "الخنزيرية" كما سميت منذ البداية، لن تنتج غير هذه الثمار.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٥٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٥٧٢