ولكن هل الرأسمالية هي النظام الأسوأ في عالمنا؟... إنها ليست الأسوأ إلا بالقياس لما هو أسوأ منها. وهي أفضل بالقياس إلى الأنظمة التي تمردت على شريعة الله، ولم تضع شريعة بشرية وقوانين صالحة للتطور، بل إنها لا تحترم حتى القوانين التي وضعتها. وإذا كانت كل الأنظمة تستخدم الذكاء الإنساني والإبداع لتقوية نظامها، فإن الرأسمالية متفوقة أكثر من غيرها، في الاستفادة من الذكاء الإنساني، وفي بعث الحيوية والأمل في كافة المجالات كل بضع سنوات بالتغيير الذي تحدثه الانتخابات. وإن وجود عدد كبير من الرأسماليين الأقوياء لا يتيح للسلطة الانفراد باتخاذ القرارات أو تجاوز حدودها المرسومة، مما يجعل الفرص متاحة دائماً للتراجع عن أي خطأ قد يؤثر على البلاد. وبهذه المرونة والاستفادة من الذكاء البشري لأقصى حد ممكن تفوقت الرأسمالية على كل الأنظمة في عصرنا. ومع ذلك فإن خطورة النظام الرأسمالي تكمن في قدرته على إنتاج الشر، وترسيخ أسسه، وتبرير ارتكابه في النفس البشرية، بسبب الجوهر الذي قام عليه النظام والذي ما زال يدور حوله. وإذا كنا قد تحدثنا عن الأزمة الفكرية للنظام الرأسمالي في النظرية، فإنه لابد لنا من شهود النظرية في التطبيق، لكي نكتشف المرجعية التي يستند إليها هذا النظام إن كانت عقلية أو نفسية، ولا مجال للحديث عن مرجعية الوحي في هذا النظام، لأنه وإن كان لا يتدخل في مسائل الاعتقاد الديني للمجتمع، فإن كل الدول الرأسمالية تعلن أنها علمانية العقيدة، بمعنى أنها لا تستمد قوانينها من أي شريعة سماوية، وإنما ما تقرره عقول المشرعين، وإن كان التعصب الديني، رغم مخالفة أغلب من يدّعون الإيمان لشرائعهم، ما زال يؤثر في سلوك هذه الدول ومواقفها. وما زالت الأحزاب الدينية ناشطة في بعض الدول لاستلام السلطة، رغم أنها لم تحرم شيئاً مما حرمه الله بموجب معتقداتها حين استلمت السلطة. بينما يتهم المسلمون فقط بالتعصب.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٥٤٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٥٤٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي