4 ـ الغرائز، وهي مصدر سلوك من هو أضل من الحيوان، الذي ينطبق عليهم قول الله ﴿ إنْ هُمْ إلاَّ كالأنعام بل هم أضلُّ سبيلاً ﴾ (الفرقان/44). فهذا النمط من البشر لا يكتفي بإشباع غرائزه، بل يتفنن في إشباع هذه الغرائز بالشذوذ والانحراف والانحدار في عالم الغواية والهوى.و لا يتورع عن فعل أي شيء لتحقيق غاياته الدنيئة. إنه يقتل ويدمر ويمارس كل أنواع الشذوذ التي تحقق له الفائدة والمتعة. هذا الإنسان الذي هو بالصورة فقط، والذي لا يرقى لرتبة الحيوان، لا يتورع عن شن الحروب على الضعفاء لنهب أموالهم وإن كان يملك الملايين لا لغاية سوى النهب وغياب أي رادع أخلاقي لديه. إنه ليس كالحيوان في جميع المقاييس، بل هو أدنى منه، لأن هدفه ليس إشباع حاجاته الغريزية كالحيوان وبأسلوب الحيوان، بل تكديس الثروة وزيادتها بالطرق غير المشروعة ولأهداف غير مشروعة حتى حيوانياً. وإن النماذج لهذا النوع من الناس ازداد في حضارتنا مع انتشار جشع السياسات،وعقيدة المصلحة، وسياسات الغزو والاستعمار، وإن لم يغب عن الحضارات القديمة. فقد ظل هذا النوع الشرس من البشر الحيوانات جرثومة في كل الحضارات والعصور، بسعيه الدائم لقتل القيم وتشويهها، وترجمة كل علاقة إنسانية إلى مصلحة يجب أن تخدم الجيب أو المعدة أو العورة. وإذا كان الحيوان يفهم لغة المعدة أو العورة ويحس بهما،فإنه لا يفهم لغة الجيب، أو المال، التي تدور كل أهداف من هو أضل من الحيوان حولها.. إننا في هذا الوضع وكأننا نشاهد الإنسان مقلوباً، فهو يسير على رأسه بدلاً من قدميه. وبدلاً من تاج العقل الذي جعله الله في أعلى الإنسان، الرأس، وألحق به الحواس في ترتيب خبير حكيم، فجعل العالي منها عالياً والأدنى متدنياً، هذا الإنسان الحيوان قلب الآية فجعل عورته ومعدته حاكمان عليه، فجعلهما تاجه بدلاً من رأسه، فهو لا يسمع ولا يبصر ولا يفهم معاني الحياة إلا من خلالهما.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٥٢٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٥٢٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي