تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولعله سيكون من المفاجئ في ذلك العصر أن يدعو ابن رشد إلى تحرير المرأة، وتأهيلها للعمل، حتى لا تكون عالة على المجتمع، وحتى لا تقتل قدراتها العقلية:"لأن حال العبودية التي أنشأنا عليها نساءنا أتلفت مواهبها العظمى، وقضت على اقتدارها العقلي". (26) ومع الأسف فإن هذا التحرير للمرأة سيأتي من الغرب لا لكي يرتقي بمواهبها العقلية، وإنما لكي ينحط بها إلى مستوى السلعة. ولكي يجعل منها وسيلة لإشباع غرائز الرجال، وانحرافاتهم الجنسية، وإقناعها بالضغط الاقتصادي والنفسي والإعلامي أن المرأة الناجحة هي وسيلة لإغراء الرجال واصطيادهم أكثر من كونها إنسانة لها مشاعرها وطموحاتها في الاستقرار والإنجاب وبناء أسرة مثالية. فتحولت المرأة بعد أن كانت زوجة في بيت، وأمّاً في أسرة، إلى(زوجة المكتب) كما كتب أحدهم، وسلعة تجارية خاضعة لقوانين العرض والطلب والاستثمار في السوق الرأسمالية التي سخرت من العقل والحكمة والأخلاق والأديان، وجعلت المال ربّاً يجب الوصول إليه بأي وسيلة. فضاع العقل والعقلانية في زحمة الفوضى والسباق المحموم على المال، وخسر العقلاء المعركة حتى على مستوى العقَل الفعال، لصالح العقل الهمايوني.مما يدلّ بأن المبالغة في حسن الظن بالعقل، دون وضع ضوابط له لن يؤدي فقط لإنتاج سلوكيات لا عقلانية وشاذة، وإنما سيذهب بأصحاب العقول أنفسهم، لحساب الغوغاء. ولهذا لابد من الاعتراف بسلطة الوحي، وإن عجزت العقول عن فهم هذه السلطة، كما اعترف ابن رشد بعجزه عن فهمها، كلّها بأدوات العقل. وهذا يدل بأن ابن رشد لم يصل إلى معرفة عالم الروح، ولهذا استمرت حيرته في فهم النفس الإنسانية، وقلقه حول مصيرها الذي لم يتمكن من تقديم تصور يقيني لنهايته ومآله. صحيح إننا نقدر محاولاته للتوفيق بين الوحي والعقل،ولكننا نعترض على المبالغات التي صدرت بشأن العقل سواء كانت من قبله أو من قبل أتباعه.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٥٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٥٢٣