تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولهذا سيقول: "إن العلم المتلقّى من قبل الوحي إنما جاء متمماً لعلوم العقل، أعني أن كل ما عجز عنه العقل أفاده الله تعالى الإنسان من قِبَل الوحي".(24). بهذه الشهادة، وبما كتبه للبرهان على وجود الله، نستدل على إيمان ابن رشد، ولا يطعن في إيمانه محاولاته لإدراك مسائل خلود النفس بالعقل، أو فهمه لهذا الخلود بطريقة خاصة لا تتعارض مع جوهر الإيمان. وإن طريقة البحث التي اتبعها ابن رشد في كل المسائل تدلنا بأنه كان صادقاً في إيمانه وإسلامه، إلا أنه حاول أن يعقلن كل مسائل الإيمان بالاعتماد على المنطق والقياس لحماية العقيدة الدينية من تشكيك العقلانيين، والارتقاء بوعي المسلمين بإثبات التوافق والتكامل بين المنقول والمعقول، بين الوحي والعقل،وإذا كان ابن رشد قد فشل في بعض الأمور، فإنه قد نجح في فتح معركة العقول البشرية لفهم الوحي بالعقل، ومجابهة كل تضليل وتحريف وسوء فهم أصاب العقائد في الشرق والغرب. وهي معركة لن تنتهي بسبب تغيّر علوم العقل. وإعجاب كل عاقل بعقله، وطموح الإنسان إلى الكمال الذي لن يعتقد ذات يوم بأنه توصل إليه، وإن وصل. وهكذا سيكون لابن رشد الفضل في تحريض العقول على البحث والمغامرة لبناء عقيدتها وحياتها ونظامها السياسي. وإنه سيؤيد النظام الجمهوري الذي اقترحه أفلاطون ولكن بشريعة إسلامية، وإن خالفه في مسائل المعرفة من حيث هي تَذكر، لأنه كان نصيراً لأرسطو. فـ"الحكم العربي، في صدر الإسلام، كان في نظر أبي الوليد موافقاً لنظريته في الجمهورية الفاضلة، وهو يحمّل معاوية بن أبي سفيان تبعة ما جرى من انقلاب في النظام العربي، ومن تحويله إلى حكم استبدادي، ومن ثم إلى فوضى واضطراب".(25).

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٥٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٥٢٢