فالعقل كما يكشف عن نفسه لا يستطيع أن يعرف لغة الحدس،فكيف سيعرف لغة الروح؟؟..
وهذا ما أكده ابن عربي بعد لقائه مع ابن رشد في قرطبة، حيث سأله: "كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلهي: هل هو ما أعطاه لنا النظر؟.. قلت له: نعم، لا! وبين نعم ولا تطير الأرواح من موادها، والأعناق من أجسادها. فأصفر لونه، وأخذه الإفْكِل، وقعد يُحوقل، وعرف ما أشرت إليه... وطلب بعد ذلك من أبي الاجتماع بنا ليعرض ما عنده علينا: هل هو يوافق أو يخالف؟ فإنه كان من أرباب الفكر والنظر العقلي، فشكر الله الذي كان في زمان رأى فيه من دخل خلوته جاهلاً،وخرج مثل هذا الخروج، من غير درس ولا بحث ولا مطالعة ولا قراءة. وقال: هذه حالة أثبتناها، وما رأينا لها أرباباً. فالحمد لله الذي أنا في زمان فيه واحد من أربابها. الفاتحين مغالق أبوابها! والحمد لله الذي خصني برؤيته".(27).
وأضاف ابن عربي أن ابن رشد أراد الاجتماع به مرة ثانية، ولكنه فهم من مشهد برزخي ظهر له فيه: "إنه غير مراد لما نحن عليه"، فاعتذر عن الاجتماع به، لأن مطلوبه كان عالم العقل الذي حظي به ولم يرغب بتجاوزه إلى سواه. فأمد الله ابن رشد بما أراد، كما أعطى لكل طالب مطلوبه الذي جدَّ في طلبه واجتهد. فظل ابن رشد شارحاً لأرسطو الذي جدَّ في فهمه حتى بدا وكأنه أرسطو الثاني، والتقت أفكارهما ومصائرهما. فقد اتُهم أرسطو بالإلحاد، واضطر للفرار من أثينا قائلاً:"لا حاجة لأن أهيئ للأثينيين فرصة جديدة للإجرام ضد الفلسفة" مشيراً إلى قتلهم لسقراط. وكما هو معروف فقد لعبت المصالح والسياسات دورها في مطاردة أرسطو، كما ستلعب هذا الدور في حياة ابن رشد ومصيره.
***
مراجع الفصل الرابع:
"النفس والعقل والروح في الفلسفة العربية".
الكندي فيلسوف العرب
(1) الموسوعة الفلسفية العربية ـ 298/ ج2.
(2) تاريخ الفلسفة العربية ـ عن رسائل الكندي الفلسفية ـ 364.
(3) م.س.336.
(4) م.س 363.
(5) م.س 363.