إن المنطق العقلاني الذي حاكم به ابن رشد الأمور، وأرسطو من قبل، سيقود إلى الحكم على فناء المحمول أي العقل مادام الحامل أي الجسم سيفنى. الاستنتاج الرياضي والمنطقي لا يسمح بغير ذلك، ولكن إيمان ابن رشد يتعارض مع قبول هذه النتيجة، فأين الحقيقة؟.. سيشكل هذا السؤال الذي لن يستطيع ابن رشد الإجابة عليه بمنطق العقل صدمة له لن يبرأ منها كما يبدو، لأنه لن يجد الجواب أيضاً عند أرسطو، وإن قال: "إنَّ أرسطو ينص على أن العقل الهيولاني أزلي".(22). لقد قسم ابن رشد العقل إلى عقل هيولاني، وعقل بالملكة، وعقل بالقوة، ولكن هذا التقسيم لا يجعل إدراك العقل منفصلاً عن علاقته بالمادة، وإن جرد المعرفة في العقل الفعال (العقل بالقوة) عن الماديات. فهذه مراحل لا يستقل فيها العقل الفعال (العقل بالقوة) عن الماديات. فهذه مراحل لا يستقل فيها العقل الفعال عن المعرفة بآلات مادية، وإن صارت معرفته غير مادية في العقل النظري، فكيف سيكتب له الخلود؟... ابن رشد لن يصل إلى نتيجة مرضية لتعلقه بالأدلة العقلية وإصراره على استخدامها في موقع لا تصلح فيه للدلالة على الحقيقة. فلم يبق له غير التسليم بأنه لا يُعلم كل مايراد بالعقل.فنبوة الأنبياء تُعلم "بما ينذرون به من وجود الأشياء التي لم توجد بعد، فتخرج إلى الوجود على الصفة التي أنذروا بها، وفي الوقت الذي أنذروا، وبما يأمرون به من الأفعال، وينبهون عليه من العلوم التي ليست تشبه المعارف والأعمال التي تدرك فتُعلم. وذلك أن الخارق للمعتاد إذا كان خارقاً في المعرفة بوضع الشرائع دل على أن وضعها لم يكن بتعلم، وإنما كان بوحي من الله. وهو المسمى نبوة".(23). ولهذا مع إيمانه الشديد بالعقل واعتباره الأداة الرئيسية للمعرفة، ونقده لطريق المعرفة الصوفية، فإنه سيضع العقل وراء الوحي معترفاً بقصور العقل وعجزه عن الإجابة على أسئلة الإنسان الكبرى بالدليل والبرهان.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٥٢١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٥٢١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي