تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن إدراك معاني الحواس يتلقاها الإنسان بطريقتين، الخيال الذي لا تنفصل معرفته عن الهيولى إلا جزئياً، وهذه هي حدود الإدراك الحيواني الذي يؤدي إلى ظهور القوة النزوعية لديه، والتي تجعل الحيوان ينزع إلى النافع، ويبتعد عن الضار. وهذه قوة موجودة في الإنسان، ولكن وراءها النفس الناطقة التي يختص بها الإنسان، والتي يتم بها إدراك المعاني مجردة عن الهيولى. والقوة الناطقة تقسم إلى قسمين: عملية، ونظرية. وبالعملية يصنع الإنسان المصنوعات، كما أن لدى الحيوان بعض الخبرات التصنيعية إلا أنها غريزية، ولا يحدث فيها أي ابتكار كما لدى الإنسان. ولكن العقل العملي فاسد لتعلق معرفته بالمادة، ولكون "هذه المعقولات إذن مضطّرة في وجودها إلى الحس والتخيل، فهي ضرورة حادثة بحدوثها، وفاسدة بفساد التخيل"(19). والفرق بين الإنسان والحيوان في هذه المعرفة "كالتسديس الذي يوجد للنحل، والحياكة التي توجد للعناكب، حاصلة عن الطبع، ولذلك لا يوجد متصرِّفاً فيها، بل إنما يُدرك منها حيوان صوراً ما محدودة، وهي الضرورية في بقائه"(20). هذا الجانب من العقل (العملي) بما أن معرفته مرتبطة بالمادة المتغيرة، والصور الفانية فهو فان مثلها. كأن ابن رشد رسخت لديه قناعة بأن الصور المادية، وكل ماهو مادي بشكّل عام، لا يدرك إلا بنوع من الآلات المادية، أي بما هو من جنس المادة. وبما أن كل ماهو مادي محكوم عليه بالفناء بتأثير المادة نفسها، بما تتعرض له من علل الفساد والتحلل، فإن مصير المدرِك والمدرَك به فانيان لا محالة. إننا عندما نتأمل المراحل التي نتوصل فيها إلى المعرفة التجريبية سيتبين لنا أنها معرفة مرتبطة بالحواس، والحواس آلات، وإذا غابت فينا إحداها غاب عنّا العلم المتعلق بها.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٥١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٥١٩