تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد حيرت النفس ابن رشد، وإن كان قد أخذ بوصف أرسطو لها، بأنها "استكمال أول لجسم طبيعي آلي". فبما هي (أول) تعبّر عن تركيب عناصر الطبيعة في الصورة، ولهذا فإن النفس لكونها تجسيد للطبيعة في صورة، فإنها تدخل كعلم في موضوع الطبيعة، حسب أرسطو، ولأنها أيضاً تفنى بفناء الجسد. ولكن في المفهوم الإسلامي النفس ستحاسب، وهذا يقتضي بقاءها بعد الموت. وهنا كان على ابن رشد أن يواجه مشكلة مشهودة للعقل، وهي فناء الصورة الإنسانية بعد الموت، مما يقود إلى الاستنتاج بأن ما نتج عن الجسد سيفنى بفنائه، وخاصة أن آلات الجسد التي تشكل الحواس ستفنى بالموت، وقد وضع ابن رشد قاعدة للتفريق بين الخالد والفاني تتعلق بموضوع المعرفة، والأداة التي نعرف بها، فإذا كان ما نعرفه يتعلق بالمادة، فإن الأداة التي نعرف بها فانية كالمادة، وإذا كان ما نعرفه مفارقاً للمادة، فإن ما نعرفه به ـ العقل الفعال ـ يجب أن يكون مفارقاً للمادة، فالمعروف هو من جنس العارف، والفاني يعرف الفاني، والخالد يعرف الخالد. عند هذا التحديد الرشدي، تصبح النفس بأدواتها المدركة (الحواس) التي تدرك المادة القابلة للفساد والتغير فاسدة، وتدخل في علم الطبيعة. أما مابه تدرك النفس المفاهيم المجردة عن المادة فإنه يدخل في علم ما وراء الطبيعة، لأن النفس بما هي (استكمال أول) فإن لها كمالات متسلسلة، هي خمسة، رتّبها ابن رشد حسب تقدمها في الزمان، كتقدم الزهرة على الثمرة، والأب على الابن، وهي: 1 ـ النفس النباتية، 2 ـ الحسّاسة. 3 ـ المتخيّلة. 4 ـ الناطقة. 5 ـ النزوعية. وقد رأى أن كلّ قوة من هذه القوى تتألف من مادة وصورة، مثلاً مادة الإحساس هي الآلة التي بها يحدث الإحساس، والصورة هي ما يتم به إدراك معنى الإحساس وتمييزه، حيث يتحول الإحساس المادي إلى معنى مجرد، وصورة لا مادية.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٥١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٥١٨