ولما كانت الأسباب التي من خارج تجري على نظام محدود وترتيب منضود لا تخلّ في ذلك، بحسب ماقدرها بارئها عليها. وكانت إرادتنا وأفعالنا لا تتم ولا توجد بالجملة
إلا بموافقة الأسباب التي من خارج، فواجب أن تكون تجري على نظام محدود... وإنما كان ذلك واجباً لأن أفعالنا تكون مسببة عن تلك الأسباب التي من خارج"(13). وسيضيف الشارح: "ثم هناك أسباب داخل الأبدان طبيعية تحرك الإرادة وتجعل لها دوافع ونوازع، فبناء عليه: إن العوامل التي تحرك إرادة الإنسان من تقدير الله، بحيث يكون بين فعل الإنسان وسلسلة الأسباب الخارجية ارتباط وثيق فيضاف إليها العوامل الداخلية للبدن، لتشكل مجتمعه الشروط اللازمة لحصول الفعل. فالقضاء والقدر هو انسياق هذه الأسباب مجتمعة على نظام ثابت وسنة لا تتغير. وهذا هو اللوح المحفوظ.... وهكذا توجد الأشياء بإرادة الإنسان وبحريته من غير استقلال... حاصلة بالأسباب الخارجية التي قدرها الله... فالله هو الذي يفعل الأسباب الداخلية والخارجية ويحفظها في الوجود. هنا اجتمع النص والعقل. التفسير والتأويل. فحرية الإنسان مرتبطة بضرورة العلم الطبيعي والعلم العضوي النفسي"(14). فالحرية هي وعي الضرورة، كما سيقول هيغل (1770 ـ 1831م). وقد سبقه ابن رشد بهذا الفهم للحرية كما سيقول (رفيق العجم). وبالنظر لأهمية الأسباب والمسببات في وجود النظام والمعرفة فقد بيّن ابن رشد أن الأسباب هي وسائط أفعال الحق في الطبيعة معارضاً القائلين بتدخل الله المباشر والدائم في عملية الخلق. وسيحذر القائلين برفع الأسباب لأن: "من رفع الأسباب فقد رفع العقل... وإن المعرفة بتلك المسببات لا تكون على التمام إلا بمعرفة أسبابها، فرفع الأشياء هو مبطل للعلم ورفع له".(15).