تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي هذه النقطة سيلتقي مع الغزالي، الذي سيبين أن السببية هي حكم الله، وكذلك تغييرها عندما يشاء:"إن الله تعالى قادر على كل شيء، وليس من ضرورة الفرس أن يخلق من النطفة، ولا من ضرورة الشجرة أن تخلق من البذر". (رسائل الغزالي). وهذا لا خلاف عليه. كما سيلتقي ابن رشد مع الغزالي حول مسألة التفريق بين العلم المباح للعلماء، وحدود العلم المسموح بنشره بين الجمهور. فقد حدد الغزالي هذا المباح في كتابه (إلجام العوام عن علم الكلام)، كما سيقول ابن رشد "إن أهل الفرق ضلوا الطريق، لأنهم حاولوا تفسير وتأويل النصوص للجمهور، بينما كان عليهم إبقاء الظاهر للجمهور وجعل المؤول فرضاً على العلماء فقط. لأنه لا يحلّ للعلماء أن يفصحوا بتأويله للجمهور".(16). ولكن رغم اتفاق الرجلين في هذه النقطة، فإن ابن رشد سيتهم الغزالي بأنه باح بأكثر مما يجوز البوح به في كتبه فقال: "يجب أن لا تثبت التأويلات إلا في كتب البراهين... وأما إذا ثبتت في غير كتب البرهان واستعمل فيها الطرق الشعرية والخطابية أو الجدلية، كما يصنعه أبو حامد فخطأ على الشرع وعلى الحكمة، وإن كان الرجل إنما قصد خيراً".(17). وهكذا أراد ابن رشد أن يقوم بعدة أدوار، قاده إليها سعة اطلاعه، والحروب الفكرية التي تعرض لها، ورغبته في تصحيح أخطاء الفلاسفة وكذلك الفقهاء، ورؤيته للصلة بين الوحي والعقل كعلاقة تكامل، وفي سبيل هذا الاتجاه، سيخالف أرسطو في فهمه للألوهية، لأن "الله في تصور أرسطو هو جوهر أول وعقل محض، وهو مكتف بذاته ولا علاقة له مع الكون. لكن الله عند ابن رشد على صلة مع العالم... إن الله حي وخالق وفاعل وغاية، يحدث الأحداث باستمرار ويوهب الوجود والحياة للموجودات.. وليس سواه فعل مطلق من غير انفعال". (18).

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٥١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٥١٦