وأما بشأن تكفير الغزالي للفلاسفة الذين أباحوا لأنفسهم تعيين ما يعلمه الله وما لا يعلمه كقولهم إن علم الله بالكليات لا بالجزئيات. فإن هذه مسألة لا يمكن معرفتها إلا من خلال نصوص الوحي، وإلا فإن المعيّن لعلم الله وحدوده يجب أن يكون معه، وهذا ما لا قدرة لأحد على الزعم بالوصول إليه، ولذلك فإن ابن رشد حاول أن يفسر المقصود من كلام الفلاسفة بتحسين المعنى المراد وتأويله فقال "العلم القديم إنما يتعلق بالموجودات على صفة غير الصفة التي يتعلق بها العلم المحدث، إلا أنه غير متعلق أصلاً، كما حكي عن الفلاسفة إنهم يقولون، لموضوع هذا الشك، إنه سبحانه لا يعلم الجزئيات. وليس الأمر ما توهّم عليهم، بل يرون أنه لا يعلم الجزئيات بالعلم المحدث الذي من شرطه الحدوث بحدوثها، إذا كان علة لها، لا معلولاً عنها كالحال في العلم المحدث. وهذا هو غاية التنزيه الذي يجب أن يعترف به"(10). وإننا هنا نواجه أخطاء متماثلة وقع فيها الغزالي بتعميم حكمه وتهجمه على الفلاسفة، كما نواجه خطأ ابن رشد بتبرئته كل الفلاسفة من تهمة الغزالي، والأولى هو الحكم على كل قائل بما قال. وإن من أصول الحكم في الشرع "ادرؤوا الحدودَ بالشبهات" (كنز العمال ـ 12957/ ج5). كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، بالبحث عن الحق والأسباب الموجبة للتخفيف قبل إصدار الحكم وإقامة الحد، وليس من أصول الشرع البحث عن الشبهات لإقامة الحدود، وتكفير الناس أو اتهامهم. وهذا ما فعله ابن رشد بتفسيره للشبهات التي أصابت الفلسفة، بتفريقه بين علم الله كعلة للموجودات، وعلمنا نحن كمعلول لها، حيث لا يصح في هذه الحالة قياس الغائب على الشاهد. فهو فرق في طبيعة العالم لا في العلم. أما بشأن إنكار الفلاسفة للحساب، حسب رأي الغزالي. فإن ابن رشد سينفي عن الفلاسفة هذه التهمة. والمشكلة أن الطرفين ذهبا في الاتهام والتبرئة إلى أقصى حدّ، إذ كلاهما عمّمَ حيث لا يصح التعميم.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٥١٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٥١٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي