وكان الإسلام بروحه المنفتحة على العلم، والمنطق أكثر اتساعاً لفكر أرسطو وابن رشد معاً، بعكس الغرب الذي اضطر فيه الرشديون إلى الصدام مع الكنيسة والتمرد عليها. ولكن حراس إسلام الحروف جعلوا الإسلام أضيق من جدران الكنائس بحيث لم يتح للهاربين أن يجدوا ملاذاً آمناً لإعادة الرشدية إلى مكانتها، أو إيجاد مركز تنطلق منه لإشعال نور العقل في الشرق الذي سيطر عليه التقليد والجمود. وهكذا انتهت الرشدية بصمت وكأنها لم تولد. ما الذي ارتكبه ابن رشد؟.. لقد أبدى رأيه في قضايا الفلسفة التي كانت مطروحة في زمنه لكي لا تسرق الفلسفة شباب المسلمين، وربطها بالوحي لبيان تطابق الشريعة مع العقل. فقال بقدم العالم، وهو رأي قال به أرسطو. فالعالم لا بداية له "وإنه لم يزل موجوداً مع الله تعالى، ومعلولاً له، ومساوقاً له غير متأخر عنه بالزمان مساوقة المعلول للعلة، ومساوقة نور الشمس للشمس، وإن تقدم الباري عليه كتقدم العلة على المعلول، وهو تقدم بالذات والرتبة، لا بالزمان (كما شرح الغزالي في التهافت)... ويتفرع على ذلك أن العالم كما أنه (أزلي لا بداية لوجوده، فهو أبدي لا نهاية لآخره، ولا يتصور فساده وفناؤه، بل لم يزل كذلك، ولا يزال أيضاً كذلك).... ويؤيد ابن رشد رأي الفلاسفة بقوله، إنه "يمتنع عندهم أن ينعدم الشيء إلى لا موجود أصلاً، لأنه لو كان كذلك لكان الفاعل يتعلق فعله بالعدم".(8). وسيدعم ابن رشد هذا الرأي بالنصوص القرآنية قائلاً: "إن ظاهر الشرع إذا تصفح، ظهر من الآيات الواردة في الأنباء عن إيجاد العالم أن صورته محدثة بالحقيقة، وأن نفس الوجود والزمان مستمر من الطرفين، أعني غير منقطع، وذلك أن قوله تعالى: ﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ﴾ ، (هود/7) يقتضي بظاهره أن وجوداً قبل هذا الوجود، وهو العرش والماء، وزماناً قبل هذا الزمان، أعني المقترن بصورة هذا الوجود الذي هو عدد حركة الفلك.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٥١٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٥١٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي