يبدو أن ملاحقة الرشدية من قبل النصوصيين والحَرفيين في بلادنا العربية والإسلامية قد فتحت ثغرات لم نسدّها حتى الآن، بإحالة العقل على التقاعد في مرحلة الركود بالإكراه الداخلي، مما أتاح المجال لتقدم أوربا وتخلفنا، وفي المرحلة الثانية حين عدنا لاستخدام أسلحة الرشدية، وكان الأوان قد فات، فجاء الغرب موجة إثر موجة، لمنع عقولنا من الانطلاق بالقوة المسلحة، بإجهاض كل محاولة للتصنيع بدءاً من مصر بالهجوم على محمد علي باشا، وصولاً إلى منع العرب كلهم بما فيهم الصديق والعدو من امتلاك أي سلاح استراتيجي يحقق التوازن مع الدولة العبرية التي تلوح بعصاها النووية فوق رؤوس كل العرب. وعلاقة الفلسفة بالموضوع هي العلاقة مع طموحات العقل وقدراته الدنيوية التي لابد منها لمواجهة الأخطار، وتطوير سبل الدفاع عن الأمة، التي توقف كل شيء فيها بمنع العقول من الانطلاق لمواجهة حتى ما نراه بحواسنا، أي بالعين من أسلحة عدونا المخيفة والمبتكرة. فاستقالة العقل لا تعني استقالة الفلسفة فقط، بل تعني هزيمة الإنسان وسقوطه، وتسهيل العدوان عليه، والاستهانة بكرامته، وهزيمة شريعته أيضاً وقيمه ومثله العليا. هذه هي الثغرات، والثلمة التي سيفتحها موت العلماء، وموت علمهم أحياء وأمواتاً. لأن العالم الذي تستفيد الأمة من علمه هو حيّ بينها وإن مات. وإن هزيمة الرشدية هو إشارة لسيادة الغوغاء، والعقل الهمايوني الذي قتل الفارابي من قبل، مع أن ابن رشد ظل في كل كتاباته مدافعاً عن الشريعة ولكن بأساليب الفلسفة، لأن العصر تغير، والفلسفة انتشرت، والغرب يهاجم، وكان على المسلمين أن يجددوا خطابهم الديني للصمود في وجه العواصف، فحاول ابن رشد أن يقوم بهذه المهمة، التي رُفضت في الشرق، وتلقاها توما الأكويني والرشديين الغربيين لإيقاظ الغرب.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٥٠٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٥٠٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي