عبد الملك الجويني (إمام الحرمين) لم يقطعا بكفر من خرق الإجماع في التأويل"(5). إذن لا يوجد تأويل نهائي للآيات والوحي.ومثل هذا الرأي لن يرضي حراس النصوص لا في الشرق ولا في الغرب. مع أن ميرن، وأسين بلاثيوس، سيؤكدان "أن ابن رشد كان ذا نزعة دينية قوية، وأنه سعى بإخلاص للتوفيق بين الدين والفلسفة. فقال ميرن: إن موقف ابن رشد في هذه المسألة لايختلف عن موقف ابن سينا،وإن الفلسفة عنده تستند إلى الوحي الإلهي وإلى العقل معاً... أما بلاثيوس انتهى... إلى توكيد أن ابن رشد لم يكن فيلسوفاً عقلياً، بل على العكس: اعتمد على الوحي وقرر أن الوحي والعقل لا يتعارضان، وتبعاً لذلك يرى أسين أن ابن رشد بقي صحيح الإيمان، ولم يتعد حدود المذهب السني" وسيقول د.عبد الرحمن بدوي: "إن ابن رشد كان حر الفكر، ولكنه لم يسع إلى الاصطدام بالشريعة".(7) ولبيان مواقف ابن رشد لابد لنا من العودة إلى آرائه التي كانت سبباً للإثارة، والتي سيتبين صحة أغلبها، وإن كنّا نعارض أي مبالغة في دور العقل وقدرته على فهم تنزلات الوحي، بينما نؤيد قدرته على فهم ما جاء به الوحي. فالعقل يدرك عن طريق الحكمة والقياس والأدلة، ما ينزل به الوحي مباشرة ودون مقدمات. ولهذا لا تعارض بين العقل والوحي. ولكن عند عجز العقل يجب إتباع الوحي. وهذا ما يظهر في حكمة الوحي في تحريم لحم الخنزير مثلاً، فالعقل وقف عاجزاً عن إدراك سبب التحريم إلى عصرنا الحاضر حتى كشف عنه الطب الحديث. وهذا مثال لحدود إدراك العقل، الذي يستطيع أن يجتهد في فهمه للوحي، وأن يستخدم التأويل، ولكنه لا يستطيع الآن مثلاً أن يبين سبباً لتحريم الذبائح التي لم يذكر اسم الله عليها كما أمرت الشريعة. ثم إن العقل متغير في فهمه وأحكامه، وهذا يدل على نقصه وعدم كماله، أما الوحي فهو ثابت في جوهره بسبب كماله وصحته، سواء تبين للعقل وجوه كمال الوحي أو لم يتبين له.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٥٠٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٥٠٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي