في ظل هذا السكون الذي تحقق عربياً بنقل جثمان ابن رشد إلى الضفة الأخرى من المتوسط بعد إحراق كتبه، بدأ التمرد في الغرب على قاعدة القديس انسليم أسقف كانتربري، المتوفي عام (1109م) التي تقول بأن ـ الفلسفة خادمة للاهوت ـ واضطرت الكنيسة إلى الإيعاز لمفتشها بباريس (اتيان تامبييه) إلى إصدار حرمان للأفكار الرشدية ومن يتعامل معها. فصدر هذا الحرمان في كانون الأول عام 1270م واجتهدت الكنيسة في بيان الأسباب التي تؤدي من وجهة نظرها إلى تكفير من يؤمن بأفكار ابن رشد الفلسفية. إلا أن أساتذة السوربون انقسموا إلى فريقين. ووقف توما الأكويني (1225 ـ 1274م)، موقفاً وسطاً بتبني أرسطو وابن رشد في النظريات التي لا تتعارض مع الكنيسة، وبتوجيه اللوم لشروح ابن رشد فيما لا يرضي الكنيسة، لتبرئة أرسطو من الاتهام بتعارض أفكاره مع الكنيسة. وبسبب هجوم الرشديين اللاتين ورفضهم الامتثال لتهديدات الكنيسة وحرماناتها، أصدرت حرماناً جديداً أكثر تشدداً من السابق عام (1277م) طال حتى بعض أفكار الأكويني الذي كان قد توفي قبل ثلاث سنوات. وأدى القرار الجديد إلى إبعاد بعض أساتذة السوربون عن الجامعة. لقد أدرك الغربيون الذين تبنوا الرشدية، وعلى رأسهم "سيجر البربنتي (دي برابان)، وبويس الدانمركي (دي داسي)، أن (الخير الأعظم) الذي جعله بويس عنواناً لكتاب له "لا يمكن أن يكون إلا بممارسة الإنسان لأعظم قواه أي لعقله. والعقل هنا هو العقل التأملي، أي النظر العقلي المحض الذي يقودنا إلى معرفة الحق، وإلى التمتع بالحقيقة، اللذات العقلية هي اللذات الحقيقية للسعادة والإنسان العاقل لا يقوم بأي عمل لا يساهم في تعزيز سعادته وزيادتها. وكل عمل لا يساهم في هذه السعادة هو خطيئة وبالتالي فإن العامة التي تجري وراء اللذات الحسية والشهوات وحب المجد والمال، لا تستحق منا أي احترام أو تكريم.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٥٠٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٥٠٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي