لنكرم إذن أولئك الذين يكرسون حياتهم لدراسة الحكمة ويعيشون حسب النظام الطبيعي، وهؤلاء الذين يعيشون حسب النظام الطبيعي هم الفلاسفة، وبالتالي فإن الحياة الفلسفية هي الخير الأعظم"(1). ولكن الرشدية ستظل ملاحقة في الغرب كما لوحقت في الشرق فسلطة العقل كما فهمت تعني التمرد على الكنسية. وسوف يضطر (مارسيليو البادوي) (1275 ـ 1343) وزميله (جان دي جاندون) للفرار من جامعة باريس واللجوء إلى ملك بافاريا (لويس) خوفاً من سلطة البابا. لأن جان هذا من الرشديين المتعصبين وكان ابن رشد في رأيه "أتم وأكمل وأمجد صديق ومدافع عن الحقائق الفلسفية" (2) ولكن رشدية العقل كانت قد شقت طريقها رغم الصعوبات في الغرب. وألف الشاعر الكبير دانتي (1265 ـ 1321م) كتاباً بعنوان (النظام الملكي)، هاجم فيه السلطة الزمنية للكنيسة، ووضع فيه سيجر زعيم الرشديين في فردوسه بدلاً من الجحيم حسب تعاليم الكنيسة. وهكذا فإن الموقف من الرشدية كان نقطة تحول فاصلة في تاريخ أمتين وديانتين، العرب المسلمون، والغرب المسيحي. العرب في تراجعهم عندما سيطر عليهم التقليد وجمود العقل، والغرب في تقدمه عندما أيقن أن العقل هو الخير الأعظم الذي يجب أن يكون موجهاً للإنسان ومرشداً، فكانت الرشدية تمثل تيار الإقناع في مواجهة التخويف، وتيار الحوار في مواجهة الأوامر. فبدت هنا وهناك متمردة باسم العقل على سلطة الاستبداد. وبهذا الانحياز لصالح العقل نجحت أوروبا في الانتقال إلى عصر جديد، وصولاً إلى عصر النهضة. لقد أصبح ابن رشد في الغرب يمثل الحيوية وتجلي المعرفة الإلهية في الإنسان. فقال عنه سافونا رولا سنة (1440) إنه "ملك العبقرية الإلهية التي شرحت كل مؤلفات أرسطو"(3).
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٥٠٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٥٠٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي