ابن رُشد الفيلسوف المحارَِب حياً وميتاً
ولد أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد سنة (520 هـ/ 1126م) في قرطبة. وتوفي (مساء الخميس 9 صفر عام 595هـ/ في العاشر من كانون الأول سنة 1198م) في مدينة مراكش، ودفن فيها، وله من العمر اثنتان وسبعون سنة. ثم نقلت رفاته بعد ثلاثة أشهر إلى مسقط رأسه في قرطبة ودفن في مقبرة أسرته. وكان نقل رفاته إلى الأندلس كأنما هو إشارة للدور الذي ستلعبه فلسفته في حياة الغرب ومستقبله، بعكس الشرق الذي سيهجر الفلسفة والفلاسفة لفترة طويلة، وسيكتفي بما سيقدمه الفقهاء من غذاء للفكر. وهي مرحلة ستجعل ديار المسلمين عرضة لشتى أنواع الغزو والعدوان. وستكون المناعة، التي ساهم فيها الأمويون بتكريمهم للشعر والفكر إضافة للفقهاء، وكذلك العباسيون بجعل قصورهم مركزاً للحوار بين المذاهب والآراء، قد انقضت وضعفت، برحيل الفلسفة واختفائها، وهو مؤشر على غياب الفكر والحوار، ودليل على توقف مغامرات العقول وسباقها، الذي تمخر به الأمم التاريخ، وترسم ملامح طرق المستقبل وضفافه التي سترسو عليها، مما يعني عند غياب أصحاب العقول أو رحيلهم أن الأمم في ظلمة، أو أنها تفضل الظلمة على النور، وإن كانت تقول غير ذلك وتصرح به على لسان من يحكمها أو يمثلها. لقد رحل ابن رشد ورحلت معه الفلسفة وبدأت شمس العرب والإسلام، وكل الثقافة والعلوم التي أنتجها علماء الأمة، تغرب عن الأرض التي نبتت فيها لتطلع في مكان آخر... على الضفة المقابلة لشاطئ المتوسط، لأن الحضارة لا تموت، ولكنها مثل نور الشمس تنتقل من مكان إلى آخر، فلم يبق من ابن رشد وغيره إلا ذكريات تستثير حماس بعض أفراد الأمة بين حين وآخر، بينما الأغلبية نائمون، مع انسجام الأفكار وسلامها ولونها الموحد الذي دعمته كل سلطة بما يناسبها من التفاسير والآيات والأدعية وأنظمة الحكم التي زعمت أنها تمثل رغبة الأمة والمدافعة عن عقيدتها.