تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن دراسة ابن طفيل من خلال (حي بن يقظان) تضعنا أمام مشكلة معرفية، لأنها النص الوحيد الباقي من كتبه.وهذا النص لا يدل بأن ابن طفيل فهم عالم الروح، أو حقق أي تواصل فعلي معه، وإنْ كتب عن هذه المعرفة، وآمن بها نظرياً. ولهذا السبب يخطئ الفلاسفة حين يظنون أن ما يمكن معرفته بالوحي أو الإلهام يمكن أن يعرف بالعقل. ولكن ما يضعنا في حيرة هو حديث ابن طفيل عن رياضات ابن يقظان وسلوكه لمعرفة خالقه، وهو سلوك يمكن أن يقود السالك إلى المعرفة الإلهامية. ولكن وصف مشاهدات ابن يقظان بعد وصوله، لا تدل على الوصول، لأن لوصول الواصلين علامات لا تخفى على الخبير. وهي أبسط من كشف العالم للجاهل بعلم الحساب بالنسبة إليه. فكل وصول له بدايات وتسلسل، وبهذا التسلسل يتميز الواصلون ويُعرفون، وإن كانت المعرفة الإلهامية لا تعني تفوقاً على الآخرين في أي علم آخر، كما قد يزعم بعض المدّعين. وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه حين اقترح عليهم ترك تأبير النخل فلم تنضج ثماره (أنتم أدرى بأمر دنياكم). مع أنه قال في حديث آخر "إني لستُ أنسى، ولكني أنسى لأَسنّ".(16). فهو الذي لا ينطق عن الهوى. ولا يتكلم إلا لحكمة، وهذا مقام فريد، ودعوة للتفكير.

إن الفرق بين ما يدرك بالعقل، وبين ما يدرك بالإلهام في أي مسألة، كالفرق بين السامع للخبر، وبين المشاهد له. وما يتوصل إليه الفيلسوف بعقله لايؤدي إلى اليقين، لأن الحواس لا تشاركه في هذه الشهادة. ولهذا قلنا إن شهادة العارفين يقينية، وآراء الفلاسفة، عقلية ونظرية، ولا تثبت على حال، وإذا لم يرتق الفيلسوف إلى المعرفة الروحية، فليس له منها غير السمع، وربما التعجب، إن أحسن الظن بأهل المعرفة الروحية، وأخبارهم. ولكن ليست كل معرفة يجب أن تكون روحية لكي تكون صالحة وصحيحة. فربما توصل أصحاب الحكمة إلى الحق الذي يقره الوحي، ولكن بطريق العقل الذي يخطئ ويصيب، بعكس الوحي والإلهام الذي لا يخطئ.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٥٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٥٠١