تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وخطرت لابن يقظان فكرة السفر إلى جزيرة أبسال لإنقاذ الناس مما هم فيه، وتلقينهم المعلومات التي توصل إليها، ودعوتهم للعيش بالطريقة التي عاش فيها. فسافر مع أبسال إلى جزيرته "وكان رأس تلك الجزيرة كبيرها سلامان، وهو صاحب أبسال الذي كان يرى ملازمة الجماعة، ويقول بتحريم العزلة. فشرع حي بن يقظان في تعليمهم، وبث أسرار الحكمة إليهم... فجعلوا ينقبضون منه، وتشمئز نفوسهم مما يأتي به، ويتسخطونه في قلوبهم، وإن أظهروا له الرضا في وجهه إكراماً لغربته فيهم، ومراعاة لحق صاحبهم أبسال. ومازال حي بن يقظان يستلطفهم ليلاً ونهاراً، ويبين لهم الحق سراً وجهاراً، فلا يزيدهم ذلك إلا نبواً ونفاراً، مع أنهم كانوا محبين للخير، راغبين في الحق، إلا أنهم ـ لنقص فطرتهم ـ كانوا لا يطلبون الحق عن طريقه، ولا يأخذونه بجهة تحقيقه، ولا يتلمسونه من بابه، بل كانوا لا يريدون معرفته عن طريق أربابه، فيئس من إصلاحهم، وانقطع رجاؤه من اصلاحهم... فانصرف إلى سلامان وأصحابه، فاعتذر عما تكلم به معهم... وعلم هو وصاحبه أبسال أن هذه الطائفة المريدة القاصرة لا نجاة لها إلا بهذا الطريق.... فودعاهم وانفصلا عنهم، وتلطفا في العودة إلى جزيرتهما"(15). وهكذا فهم ابن يقظان حكمة الرسل فيما دعوا إليه من الشرائع. وكشف ابن طفيل عما أراد أن يقوله عن توافق العقل مع الشريعة، لكونهما من مصدر واحد هو الله، ولذلك فإنه لا يجوز أن يختلف العقل مع الوحي، وكل خلاف، هو خلاف في الظاهر لا في الباطن.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٤٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٤٩٩