تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما زال يشاهد لكل فلك ذاتاً مفارقة بريئة عن المادة... فرأى له ذاتاً بريئة عن المادة.. ولهذه الذات سبعون ألف وجه، في كل وجه سبعون ألف فم، في كل فم سبعون ألف لسان، يسبح ذات الواحد الحق، ويقدسها ويمجدها لا يفتر... ثم شاهد لنفسه ذاتاً مفارقة، لو جاز أن تتبعض ذات السبعين ألف وجه، لقلنا إنه بعضها. ولولا أن هذه الذات حدثت بعد أن لم تكن، لقلنا إنها هي! ولولا اختصاصها ببدنه عند حدوثه، لقلنا إنها لم تحدث"..."وهكذا تتلاشى الكثرة عند من تخلص من المادة وبلغ حالة الاتصال، فينتقل في العوالم وهو لا يرى فيها إلا إشعاعات إلهية، تظهر بقوة في العالم السماوي، ولا تبدو في عالم الكون والفساد إلا كصورة الشمس التي تظهر في ماء مترجرج"(13) لقد حقق ابن يقظان الاتصال مع العقل الفعال بالتأمل والرياضة، وهذا النجاح هو إشارة إلى قدرة الإنسان على معرفة الله بالفطرة. وهنا يطرح السؤال إذا كانت معرفة الله ممكنة بالتأمل والرياضات فما هي الحاجة إلى الشريعة؟ سيختم ابن طفيل القصة بلقاء ابن يقظان مع زاهد متصوف هو أبسال الذي لجأ إلى تلك الجزيرة للاعتزال بنفسه عن الخلق. وحين تعارفا، أخبر ابن يقظان رفيقه بما توصل إليه من المعرفة. فتأكد لأبسال التطابق بين ما علمه أبسال بفكره، وما جاءت به الشريعة. فنقل إليه أبسال شريعته وما تتطلبه من عبادات. وهنا احتار ابن يقظان، لسببين "أحدهما لم ضرب الرسول الأمثال للناس في أكثر ما وصفه في أمر العالم الإلهي وأضرب عن المكاشفة... والأمر الآخر لم اقتصر على هذه الفرائض ووظائف العبادات، وأباح الاقتناء للأموال، والتوسع في المآكل حتى يفرغ الناس للاشتغال بالباطل والإعراض عن الحق؟".(14).

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٤٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٤٩٨