وبنفس طريقة التحليل سيناقش حركة الكون، ومبدأ الحركة، فكل حركة لابد لها من مُحرِك. وقوة التحريك لابد أن تكون في الجسم المتحرك أو في جسم آخر "وإما أن تكون قوة ليست سارية ولا شائعة في جسم"، وقد تبين أن "كل قوة في جسم فهي لا محالة متناهية، فإن وجدنا قوة تفعل فعلاً لا نهاية له فهي قوة ليست في جسم، وقد وجدنا الفلك يتحرك أبداً حركة لا نهاية لها ولا انقطاع إذا فرضناه قديماً لا ابتداء له؛ فالواجب على ذلك أن تكون القوة التي تحركه ليست في جسمه، ولا في جسم خارج عنه، فهي إذن لشيء بريء عن الأجسام، وغير موصوف بشيء من أوصاف الجسمية... فإذن وجود العالم كله إنما هو من جهة استعداده لتحريك هذا المحرك البريء عن المادة وعن صفات الأجسام، المنزه عن أن يدركه حس أو يتطرق إليه خيال سبحانه. وإذا كان فاعلاً لحركات الفلك على اختلاف أنواعها فعلاً لا تفاوت فيه، ولا فتور، فهو لا محالة قادر عليه وعالم به"(12) وإن ابن طفيل إضافة لفنه القصصي، سيكشف لنا كلما تعمقنا في هذا النص الوحيد الباقي له عن قدراته التحليلية، وعمق تفكيره، وتحويله كل تلك الحوارات الفلسفية المعقدة إلى قصة ستقود ابن يقظان إلى البحث عن الفاعل الحقيقي لكل ما يراه، بالتفكير فيه، وإهمال كل شيء سواه. وهكذا بدأت محاولاته "يروم بمبلغ طاقته أن لا يفكر في شيء سواه، ولا يشرك به أحداً، ويستعين على ذلك بالاستدارة على نفسه والاستحثاث فيها"، وهو طريق معرفة النفس لمعرفة الرب، بالترقي من معرفة المعلوم إلى المجهول. وبهذه الرياضات والمحاولات المتكررة سينجح ابن يقظان في معرفة الله "إنه بعد الاستغراق المحض، والفناء التام، وحقيقة الوصول، شاهد الفلك الأعلى الذي لا جسم له، ورأى ذاتاً بريئة عن المادة، ليست هي ذات الواحد الحق، ولا هي نفس الفلك، ولا هي غيرهما، وكأنها صورة الشمس التي تظهر في مرآة من المرائي الصقيلة، فإنها ليست الشمس، ولا المرآة، ولا هي غيرهما...
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٤٩٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٤٩٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي